قبل أن نسأل ما إذا كان لبنان يحتاج إلى مجلس للنقد، يجب أن نجيب عن سؤال أبسط في ظاهره وأكثر تعقيداً في حقيقته: ما هو النظام النقدي ونظام سعر الصرف اللذان يعمل لبنان في ظلّهما اليوم؟. ذلك أنّ الخلط بين النظام النقدي وسعر الصرف هو الذي يسمح بطرح حلول كبيرة على مشكلة لم يجرِ تحديدها بعد. فسعر الصرف رقم. أمّا النظام النقدي فهو القانون والمؤسسات والقواعد التي تحدّد من يصدر العملة، وبأيّ مقابل، ومن يحدّد قيمتها، وكيف تُدار الاحتياطات والسيولة، وما حدود تمويل الدولة وقابلية تحويل العملة. وبهذا المعنى، لا يكفي أن يعلن مصرف لبنان أنّ الدولار يساوي 89500 ليرة حتى يصبح للبنان نظام سعر صرف واضح. ما الذي يقوله القانون اللبناني؟ ينبغي أن نبدأ من النصّ لا من الممارسة. فالمادة الثانية من قانون النقد والتسليف نصّت على أن "يحدّد القانون قيمة الليرة اللبنانية بالذهب الخالص". ولمّا كان تحديد التعادلية الذهبية الجديدة معلّقاً على اتفاق مع صندوق النقد الدولي، أجازت المادة 229 في فقرتها الأولى لوزير المالية أن يتّخذ إجراءات انتقالية ريثما يصدر القانون المنصوص عليه في المادة الثانية. وقد تولّت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل تفكيك هذا المسار في استشارتها رقم 438/2023، الصادرة بناءً على كتاب وزير الاتصالات في شأن سعر الصرف الرسمي الواجب اعتماده في تنفيذ عقد مصالحة. وخلصت الهيئة إلى ثلاث نتائج متتابعة يقتضي عرضها بترتيبها. النتيجة الأولى أنّ "تحديد سعر الصرف يدخل في النطاق التشريعي، إذ يعود لمجلس النواب أو مَن يفوّضه تحديد سعر الصرف واجب التطبيق"، استناداً إلى المادة الثانية من قانون النقد والتسليف. فالمرجع في اختيار قاعدة السعر هو المشترع، لا السلطة التنظيمية. والنتيجة الثانية أنّ وزير المالية حدّد السعر القانوني مرّتين لا مرّة واحدة. فحدّده أوّلاً استناداً إلى التفويض التشريعي في المادة 229 بمقدار 308 قروش للدولار، ونصّ على شموله المسائل كافّة بما فيها الضرائب والرسوم. ثمّ حدّده ثانياً استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم 1/11 المصدَّق بالقانون المنشور بالمرسوم رقم 6104 تاريخ 5 تشرين الأول 1973، فجعله "متوسّط الأسعار الفعلية في سوق بيروت" بموجب القرار رقم 883 تاريخ 28 آذار 1973. النتيجة الثالثة، وهي الأهمّ: أنّ السعر القانوني الانتقالي الأوّل قد أُلغي، وأنّ مهلة الستّة أشهر الممنوحة لمجلس الوزراء بموجب القانون المنشور بالمرسوم رقم 6105 انصرمت من دون أن يمارس التفويض ومن دون أن يحدّد سعراً انتقالياً جديداً. ويترتّب على ذلك، بحسب الهيئة، أنّ "سعر الصرف الفعلي المنصوص عنه في القانون المنشور بالمرسوم رقم 6104 مستوجب التطبيق في المسائل كافّة"، وأنّ "سعر الصرف القانوني هو سعر السوق الحرّة" سواء في ما يتعلّق بحسابات مصرف لبنان أو باستيفاء الضرائب والرسوم أو بغيرها من المسائل. وهذه النتيجة تقلب النقاش رأساً على عقب، فالقاعدة القانونية النافذة في لبنان ليست سعراً ثابتاً بل سعر السوق. ومجلس النقد يقوم على المبدأ المعاكس تماماً: تعادلية ثابتة تحلّ محلّ السوق. فمن يقترح مجلس نقد لا يقترح تعديلاً في الرقم، بل انقلاباً في القاعدة، وهو انقلابٌ لا يجوز أن يجري إلّا بقانون، كما تقول الهيئة نفسها. نظام لا هو تعويم ولا هو تثبيت مكتمل وإذا انتقلنا من النصّ إلى الممارسة، وجدنا أنّ لبنان كان يدير قبل سنة 2019 ربطاً مستقراً حول 1507.5 ليرة للدولار. وقد قام هذا الربط على تدفّق العملات الأجنبية إلى المصارف، ثمّ توظيف قسم كبير منها لدى مصرف لبنان، الذي استخدمها للمحافظة على السعر، وتمويل حاجات الدولة الخارجية، وتغطية الاستيراد، والحفاظ على الاعتقاد بأنّ الوديعة بالدولار قابلة للتحويل إلى دولار فعلي. وحين توقّفت التدفّقات، لم ينتقل لبنان إلى تعويم حرّ، بل نشأ نظام إداري مجزّأ: سعر رسمي، وسعر منصّة، وسعر سوق نقدية، وأسعار للسحوبات والاستيراد والعمليات المصرفية. ثمّ تراجع تعدّد الأرقام الرسمية واستقرّ السعر المعلن عند 89500 ليرة. غير أنّ تعدّد الأرقام شيء وتعدّد الحقوق شيء آخر، والثاني لم ينتهِ. فالدولار النقدي ليس الوديعة القديمة، والأموال الجديدة ليست الأموال غير النقدية، والحساب القابل للتحويل ليس الحساب الخاضع لسقوف التعميمين 158 و166. ويكفي لتبيان ذلك أنّ التعميم الوسيط رقم 657، المتضمّن القرار رقم 13526 تاريخ 20 كانون الثاني 2023، ألزم المصارف بأن تدفع للمودع، بموافقته، ما يستحقّ له بالعملات الأجنبية بالليرة على أساس 15000 ليرة للدولار، أي أنّ الوديعة الواحدة صارت تُقوَّم بسعرٍ يختلف باختلاف قناة الدفع. وعلى هذا النهج صدر التعميم الأساسي رقم 169، المتضمّن القرار الأساسي رقم 13729 تاريخ الأوّل من تموز 2025، فأبقى تسديد الودائع بالعملات الأجنبية المنشأة قب