قد يكون عصر الإفراط في الصفقات الخيالية انتهى في الدوري السعودي، بعد أن اقتحمت البطولة منطقة الصفوة على المستوى العالمي، إذ لم تعد الأندية توزّع أموالها على الجميع. أنفقت أندية دوري روشن 484.3 مليون يورو هذا الصيف، بانخفاض 24.2% عن الموسم الماضي. لكن الرقم لا يصلح دليلاً على انحسار الطفرة؛ فالانفاق الحالي لا يزال أعلى بـ8.5 % من موسم 2024-2025، حين بلغ 446.4 مليون يورو. الأهم من حجم السوق هو شكلها. الهلال والأهلي والقادسية أنفقوا معاً 369.1 مليون يورو، أي أكثر من 76 % من إجمالي السوق. والهلال وحده دفع 205.9 مليون يورو، ليستحوذ على 42.5 % من إنفاق الدوري بأكمله. ثم تأتي المفاجأة الكبرى: خمس صفقات فقط كلّفت 293.25 مليون يورو، أي 60.55 % من الأموال التي خرجت من خزائن أندية روشن، ما يعني أن السوق اتسعت جغرافياً، وضاقت مالياً. وفد 140 لاعباً ومدرباً من 29 جنسية إلى البطولة العربية الأبرز خلال الصيف. اللاعب السعودي كان الأكثر حضوراً بـ68 عنصراً، ثم فرنسا بـ9، والبرازيل بـ8، والسنغال والبرتغال بـ6 لكل منهما، إلى جانب لاعبين من هولندا والمغرب وإسبانيا وألمانيا وإنكلترا، ودول أفريقية وأميركية جنوبية وعربية أخرى. الهولندي تيجاني رايندرز انتقل من مانشستر سيتي إلى القادسية مقابل 61 مليون يورو. (وكالات) حجز الهلال ثلاثة مقاعد من قائمة أغلى خمس صفقات: غابرييل مارتينيلي (25 عاماً) بـ70 مليون يورو، وكريسينسيو سامرفيل (24 عاماً) بـ64.5 مليون، وأولي واتكينز (29 عاماً) بـ58.4 مليوناً. ويحدّد هذا الإنفاق إلى نحو كبير ملامح التحول؛ فالصفقة الكبيرة لم تعد بالضرورة صفقة النجم الأكبر سناً، بل صفقة اللاعب الذي يجمع الاسم بالسنوات. تالياً، فإنّ اللاعب الشاب أو الموجود في ذروة عطائه يمنح النادي شيئاً لا يظهر في قيمة الانتقال، وهو الوقت، إذ يمكن أن يمنح الفريق سنوات من الإنتاج، وأن يحافظ على قيمة سوقية أعلى، ويمنح النادي مساحة أكبر لاسترداد استثماره رياضياً وتسويقياً. وبرغم انخفاضها عن الموسم الماضي، فإنّ السوق الحالية ما زالت تنفق قرابة نصف مليار يورو؛ والأهم هو طريقة توزيع القوة المالية. فنادي الاتحاد، الذي كان من كبار المنفقين في مراحل سابقة، خرج هذا الصيف بإنفاق يبلغ نحو 33 مليون يورو، مقابل 22 مليوناً للنصر. في المقابل، صعد القادسية إلى المركز الثالث بـ79 مليوناً، فيما أنفق الأهلي 84.3 مليوناً، ما يشير إلى أن المال يعيد اختيار أصحابه. حتى سوق اللاعبين السعوديين تكشف أن دوري روشن لم يعد مجرّد دوري يستورد الأسماء؛ فقد شهد 68 لاعباً سعودياً تحرّكات خلال الصيف، بينما سجّلت الأندية 399 حالة قدوم ومغادرة، بواقع 193 وافداً و206 مغادرين. وثمة سوق داخل السوق، عبارة عن صفقات إعارة وانتقالات وإعادة توزيع واستقطاب محلي، بالتوازي مع شبكة عالمية تتسع من أوروبا إلى أفريقيا وأميركا الجنوبية والأسواق العربية. في البداية كان المطلوب جذب الأنظار إلى المملكة وبطولتها القوية؛ وحالياً فإن المطلوب أن تتحول الأموال إلى قيمة مستمرّة. وهذا هو الوجه الجديد لدوري روشن: لم يعد يريد أن يكون أغنى سوق انتقالات فحسب، بل يريد أن يكون سوقاً تعرف ماذا تفعل بالمال الذي تملكه.