في الثامن من كانون الأول 2024 جلس بشار الأسد للمرة الأخيرة على كرسي الحكم الذي ورثه عن أبيه، ثم غادر البلاد إلى موسكو بينما كانت دمشق تستيقظ على مشهد يصعب حتى اليوم استعادته من دون شيء من الذهول؛ مقرات عسكرية وأمنية ظل مجرد الاقتراب منها سبباً كافياً للخوف تُركت أبوابها مفتوحة، مكاتب خالية، أوراق متناثرة، بدلات عسكرية خلعها أصحابها على عجل، ومؤسسات بنت قوتها طوال عقود على فكرة أنها تعرف كل شيء عن السوريين، بينما لم يعرف أحد في تلك الساعات أين ذهب رجالها أنفسهم. تسنى لي، خلال عملي الصحافي، أن أدخل وزارة الدفاع مرة، وأن أدخل الى مقر آمرية الطيران مرة أخرى، وما بقي في ذاكرتي ليس تفصيلاً عسكرياً محدداً بقدر ما هو ضخامة المكان وعدد الضباط والعناصر والممرات والأبواب المغلقة، ذلك الإحساس الذي تصنعه مؤسسة تبدو أكبر من الأفراد الموجودين فيها، مؤسسة توحي لمن يدخلها بأنها ستبقى حتى لو تغير كل شيء خارج أسوارها، ولهذا بدا المشهد بعد سقوط النظام أكثر غرابة؛ البناء نفسه موجود، لكن الرجال الذين ملأوه اختفوا كما لو أن أمراً سرياً صدر في لحظة واحدة بإخلاء البلاد. لكنهم لم يختفوا، والسؤال الحقيقي لم يكن أين ذهبت دولة الأسد، بل أين ذهب رجالها. منذ الأيام الأولى بعد سقوط دمشق بدأت أجزاء من الإجابة تظهر على الجانب الآخر من الحدود، فقد عبر ضباط وعسكريون وأمنيون وموظفون مرتبطون بالنظام السابق إلى لبنان، بعضهم عبر المعابر غير الشرعية وبعضهم بوثائق أو هويات مزورة، فيما بدأت أسماء ضباط تظهر تباعاً في عكار والبقاع وبيروت والضاحية الجنوبية، ونجح آخرون في الانتقال إلى دول ثالثة، بينما استقر عدد من كبار المسؤولين والضباط السابقين في روسيا. في البداية كان من السهل تفسير الأمر بمنطق الهرب وحده؛ نظام ينهار في أيام، جيش يتفكك، ورجال يعرف بعضهم أن أسماءهم مرتبطة بملفات قتل وتعذيب واختفاء قسري، ومن الطبيعي أن يبحثوا عن أقرب طريق يخرجهم من البلاد قبل أن تبدأ الملاحقات، لكن الصورة تغيرت تدريجياً، فلم يعد الحديث يدور فقط عن ضباط يبحثون عن مكان للاختباء، وإنما عن شبكات اتصال وإيواء وتمويل وتدريب ومحاولات لإعادة تجميع أجزاء من المنظومة السابقة خارج الحدود. لبنان كان المرشح الطبيعي لمثل هذه الحركة، ليس فقط بسبب الحدود الطويلة والطرق غير الشرعية، وإنما لأن النظام السوري أمضى عقوداً في بناء شبكات نفوذ داخله، ولأن التحالف العسكري والسياسي الطويل مع حزب الله خلق بيئات يعتقد بعض الهاربين أنها أكثر أمناً من غيرها، ولهذا تحول البقاع وعكار والضاحية الجنوبية، وفق ما كشفته التحقيقات اللاحقة، من مجرد محطات عبور إلى نقاط اتصال وإقامة وتحرك. في مطلع أيلول 2026 كشفت معلومات قضائية وأمنية لبنانية عن تفكيك شبكة تضم سوريين ولبنانيين واعتقال خمسة أشخاص على الأقل، بينهم ضابط سابق برتبة عقيد في المخابرات الجوية السورية، وتركزت التحقيقات على تهريب أشخاص من سوريا إلى لبنان، وإيوائهم ثم تدريب بعضهم قبل إعادتهم إلى الداخل السوري. لكن التحقيقات نفسها لم تحسم بعد الحجم الحقيقي للشبكة ولا الجهة التي تقف خلفها بصورة نهائية، وهو تفصيل مهم لأن المسافة كبيرة بين إثبات وجود شبكة أمنية وبين إثبات وجود مشروع مركزي واسع لإعادة بناء قوة عسكرية موالية للنظام السابق. شاب مطلع يعيش في المنطقة تحدث إلى "المدن" عن صورة أوسع بكثير مما ظهر في ملف الموقوفين، وقال إن الخلية التي جرى ضبطها ليست، في تقديره، سوى جزء صغير من شبكة تشكلت منذ سقوط النظام، وإن ضباطاً سابقين من قطاعات مختلفة في الجيش والأجهزة الأمنية، بينهم أشخاص من القوى الجوية والمخابرات الجوية والفرقة الرابعة، يوجدون في مناطق متفرقة من لبنان، فيما يعقد بعض أصحاب الرتب العالية لقاءات دورية في أماكن معزولة ومزارع تخضع لحماية مشددة. ويقول المصدر إن "آمرية الطيران" بأكملها في لبنان وبعض العناصر تلقوا تدريبات، وإن أفراداً من العراق انضموا إلى مجموعات تعمل ضمن الشبكات الجديدة، كما تحدث عن قدرة عدد من الضباط الكبار برتبة لواء على إعادة الاتصال بعناصر خدموا تحت قيادتهم سابقاً، واختصر ذلك بجملة لافتة: "في هاتف واحد يستطيع كل لواء أن يجمع مئات العناصر". لا يمكن اعتماد هذا الرقم بوصفه إحصائية، ولا توجد حتى الآن بيانات مستقلة تسمح بتقدير الحجم الحقيقي لهذه الشبكات، لكنه يعيد طرح مسألة ربما أغفلها كثيرون عند انهيار النظام؛ الجيوش والأجهزة الأمنية قد تسقط مؤسساتها، لكنها لا تفقد في ليلة واحدة العلاقات الشخصية والولاءات والمصالح التي بنتها خلال عشرات السنين، واللواء الذي قاد آلاف الجنود يحتفظ بأسماء وهواتف وعلاقات، والعقيد يعرف ضباطه، والضابط يعرف عناصره، وجهاز المخابرات الذي بنى نفوذه على الشبكات السرية يمكن أن يفقد مقره ولا يفقد بالضرورة قدرته على التواصل