عودٌ على بدء، ها نحن من جديد في متاهة الاجتماعات والاستعدادات لمؤتمر تستضيفه العاصمة الفرنسية باريس يحمل الرقم ... لم نعد نذكر الرقم... لأن الأرقام تتزايد والنتائج تتشابه والعنوان واحد: دعم الجيش اللبناني. ثمة مشهد يتكرر منذ سنوات بانتظام مثير للسخرية: مسؤول أوروبي يصل إلى بيروت، يجلس أمام الكاميرات، ويُعلن بلهجة من يحمل بشرى أن بلاده "تقف إلى جانب لبنان وجيشه"، ثم يغادر. فأوروبا تُحسن صياغة البيانات، وتُجيد تنظيم المؤتمرات. لكن حين يأتي دور الفعل، تكثر الذرائع ويبقى الدعم كلاما في الهواء. بعد كل منعطف دراماتيكي مرّ به لبنان، كانت الاستجابة الأوروبية شبه ثابتة: دعوة إلى مؤتمر دولي لدعم الجيش، أو مشاركة في مؤتمر قائم، أو إعلان عن "حزمة مساعدات" تتوزع بين تدريب وتجهيزات رمزية. المشكلة ليست في المؤتمرات بحد ذاتها، بل في أنها باتت هدفاً بذاتها لا وسيلةً نحو غاية. تنتهي المؤتمرات بتوصيات يتبعها مؤتمر ثان وثالث. وفي نهاية هذه الدوامة، يبقى الجندي اللبناني بالسلاح نفسه والراتب نفسه والمعنويات التي تتآكل يوماً بعد يوم. هنا يبدأ الحديث الأكثر إيلاماً. الدول الأوروبية تمتلك اليوم مخزوناً من الأسلحة والمعدات التي خرجت رسمياً من الخدمة العسكرية الأوروبية، لا لعيب في فاعليتها، بل لأن حلف الناتو وتحديثات الجيوش الأوروبية انتقلت إلى جيل أحدث من التسليح. ومن الأمثلة الواقعية على هذه الأسلحة: - فرنسا: مدرعات اسناد ناري من طراز AMX-10RC مع مدفع 105 ملم وERC-90 Sagaieمع مدفع 90 ملم - مدافع ذاتية الحركة من عيار 155 ملم طراز AMX-30 AuF1 - فائض في المروحيات من طراز غازيل وكوغار. - بلجيكا: عربات مشاة قتالية AIFV-B-C25 مزودة بمدافع عيار 25 ملم، والمفارقة ان الجيش اللبناني يملك عددا قليلا من هذه العربات- مدرعات قيادة وسيطرة واتصال - مدافع CAESAR الفرنسية الحديثة عيار 155 ملم. - إيطاليا: مدرعات قتالية من طراز Centauro 1 مجهزة بمدفع 105 ملم - عربات مشاة قتالية مع مدفع 25 ملم من طراز Dardo IFV - مدافع ذاتية الحركة عيار 155 من طراز M109L - بريطانيا: دبابات تشالنجر -عربات مشاة قتالية من طراز warrior- مروحيات من طراز غازيل ولينكس. هذا إضافة الى المخازن الاسبانية والتشيكية والبلغارية والهولندية وغيرها. وهذا السلاح "الخارج من الخدمة" أوروبياً ليس خُردة. إنه بالنسبة إلى جيش كالجيش اللبناني يمثل قفزة نوعية حقيقية، وسوف يشكل فارقاً ميدانياً فعلياً. فبين ما تملكه أوروبا في مخازنها وما يحتاجه الجيش اللبناني ليس عائقا تقنياً أو مالياً، بل هو فارق سياسي معياره استقلالية القرار الأوروبي. ثمة أسباب متداولة لتفسير هذا التردد الأوروبي. الأول ان الدول الأوروبية تربط أي تسليح جدي بمسار الإصلاح السياسي والاقتصادي في لبنان، وهو شرط يبدو منطقياً في ظاهره لكنه عملياً يتحول إلى ذريعة دائمة، أولا لان المؤسسة العسكرية اثبتت نزاهتها وابتعادها عن الفساد المالي المستشري في الدولة، وثانيا ان الإصلاح السياسي والاقتصادي في لبنان يحتاج لمسار طويل ومتعثر، وانتظاره كشرط للتسليح يعني ببساطة: عدم التسليح. السبب الثاني أكثر صراحةً وأقل تداولاً في البيانات الرسمية: بعض العواصم الأوروبية تتأثر بالضغوط التي تربط تسليح الجيش اللبناني بالتوازنات إقليمية، وهكذا تجد أوروبا نفسها في موقف مريح: تُعلن دعمها لبنان أمام الكاميرات، وتُبقي يدها في جيبها خلف الكواليس. اما الذريعة الغربية الجاهزة دائما المتمثلة بـ "الخوف من وقوع السلاح في الأيدي الخطأ"، فتدحضها عقود من الانضباط العسكري للجيش اللبناني، الذي أثبت كفاءة استثنائية في إدارة وتأمين برامج التسليح الغربية دون أي خرق. هذا إضافة الى امر جوهري وهو ان الجهة المقصود بهذا الموضوع هو حزب الله، ومن خلال طبيعة عمل الحزب القائمة أساساً على الوحدات الخفيفة والحرب غير النظامية، فإن جزءاً كبيراً من هذه المنظومات الثقيلة لا ينسجم مع متطلبات عمله الميداني. وبالتالي، فإن حرمان الجيش من مخازن أوروبا النائمة ليس هوساً أمنياً مشروعاً، بل أن ما يحكم القرار الأوروبي فعلاً هو ضغوط إقليمية، لا قراراً سيادياً أوروبياً مستقلاً. وإن كان الأسلوب الإعلامي يتفاوت بين العواصم الأوروبية، فإن المحصلة الميدانية تبقى واحدة. وفرنسا تحديداً، الأعلى صوتاً في بيروت والأكثر استعراضاً للشراكة التاريخية مع لبنان، ليست استثناءً. الدول الأوروبية ذاتها التي تتردد في تسليح الجيش اللبناني تنشر جنودها على الأرض اللبنانية ضمن قوات اليونيفيل. وهم يعلمون جيدا حجم الفجوة في تجهيز الجيش، وما يحتاجه الجندي اللبناني الذي يقف إلى جانبهم على الحدود. هذا التناقض لا يحتاج تفسيراً، بل يفضح بنفسه طبيعة القرار. لمن يريد أن يرى المفارقة، فليقارن بين موقف أوروبا من تسليح الجيش اللبناني، وم