يبدو المشهد اللبناني اليوم محكوماً بمسارين متوازيين، ميداني ودبلوماسي، يلتقيان عند الجنوب، وتحديداً في النبطية، في لحظة تبدو فيها إسرائيل ماضية في رفع مستوى الضغط العسكري، فيما تحاول الدولة اللبنانية احتواء التصعيد وتثبيت حضورها، بالتوازي مع مساعٍ أميركية ودولية لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، رغم عدم تحديد موعد جديد بعد للجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية. ويبدو نهج إسرائيل اليوم في الضغط على النبطية هو نفسه الذي اعتمدته للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر، قبل الانتقال إلى الجولة التفاوضية المقبلة. لكن التطور الأبرز تمثل في دخول الجيش اللبناني إلى مدينة النبطية وتعزيز انتشاره فيها، بعد النداءات التي طالبت بحضور أكبر للمؤسسة العسكرية في المدينة، في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية. وهذه الخطوة لم تبقَ محصورة بالنبطية، إذ فتحت الباب أمام مطالب مماثلة من بلدات جنوبية أخرى، بينها الدوير وعربصاليم، لتوسيع انتشار الجيش وتعزيز حضوره فيها، في مؤشر إلى أن نموذج النبطية قد يتحول إلى مسار أوسع في عدد من مناطق الجنوب. في مقابل التصعيد الإسرائيلي، أكدت مصادر "المدن" أنّ الجيش اللبناني سيعمل على تعزيز انتشاره في مدينة النبطية، موضحة أن الهدف هو تعزيز الانتشار، وليس الدخول في مسار سحب السلاح أو جعل المدينة منزوعة السلاح. ووفق المعلومات، سيعمل الجيش على تعزيز نقاط انتشاره، في خطوة تعكس إصرار الدولة اللبنانية على تجنب المزيد من التصعيد والاعتداءات الإسرائيلية على المدينة، وعلى تثبيت حضورها الأمني في منطقة باتت في قلب التجاذب الميداني. وبحسب المعلومات من المرتقب أن يتمركز الجيش اللبناني في عدد من النقاط داخل مدينة النبطية، بالتوازي مع تسيير دوريات في أحياء المدينة تمهيداً لخطوة أوسع. وتأتي هذه الخطوة بعد تنسيق بين الرؤساء الثلاثة واتصالات رسمية أُجريت مع جهات دولية وديبلوماسية، كما كانت جزءاً من البحث بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد الجيش رودولف هيكل، في إطار السعي إلى احتواء التصعيد ومنع تحويل النبطية إلى ساحة مفتوحة أمام المزيد من الاستهداف الإسرائيلي. وعرض الجانبان الأوضاع الامنية في البلاد عموماً وفي الجنوب خصوصاً في ضوء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. كما تطرق البحث إلى أوضاع المؤسسة العسكرية والتحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الامن الداخلي المقرر عقده في باريس في 17 ايلول الجاري. لكن المشهد الميداني لا ينفصل عن مشهد سياسي ودبلوماسي موازٍ. ففي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، اختار السفير الأميركي ميشال عيسى أن يبعث برسالة مباشرة إلى البيئة الشيعية، معلناً أن بلاده "لا تريد إلا مصلحتكم"، ومبدياً الاستعداد للتفاوض مع حزب الله عن طريق الدولة اللبنانية. رسالة تأتي في وقت تواصل فيه واشنطن الدفع باتجاه مسار تفاوضي، مع تأكيد أن قنوات التواصل لا تُغلق، وأن التعامل مع حزب الله يمكن أن يتم من خلال الدولة اللبنانية. بدوره شدد الخطيب على "ضرورة أن تؤدي الولايات المتحدة دورًا عادلًا ومتوازنًا، على الأقل، من أجل معالجة الأزمة"، رافضًا وصم الشيعة، ومؤكدًا أنهم "لم يحملوا السلاح رفاهية، وإنما بسبب الاعتداءات الإسرائيلية، وهم مستعدون اليوم لمعالجة هذا الموضوع إذا توافرت الضمانة والحماية لهم، بما يؤدي إلى طمأنتهم إلى مستقبلهم ومصيرهم". ودعا الخطيب الإدارة الأميركية إلى "الضغط على إسرائيل للقيام، ولو بخطوة، تفتح الطريق أمام البحث في إستراتيجية الأمن الوطني التي دعا إليها رئيس الجمهورية"، مشيرًا إلى أن "اتفاق الإطار فشل في تحقيق أي خطوة من هذا النوع". وتوجّه إلى السفير الأميركي بالقول: "إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دعمت المقاومة في لبنان لتحرير الأرض، وأنتم تدعمون إسرائيل بكل الوسائل وهي تحتل الأرض، فلماذا هذا حرام وهذا حلال؟". من جهة أخرى، يندفع لبنان الرسمي، مدعوماً بحراك عربي، نحو انتزاع مظلة أمنية وسياسية تضمن انسحاب إسرائيل وتضع حداً نهائياً لدوامة الحرب على لبنان، بالتوازي مع الدفع باتجاه حصر قرار الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة. واليوم، جدد مجلس جامعة الدول العربي، على مستوى وزراء الخارجية العرب، في ختام أعمال دورته الـ166 مساء أمس في مقر الأمانة العامة في القاهرة، تضامنه الكامل مع الجمهورية اللبنانية ودعمه المطلق لسيادتها واستقلالها ووحدتها الوطنية، مشدداً على حق الدولة اللبنانية الحصري في اتخاذ قراراتها الوطنية السيادية بعيداً من أي تدخلات أو ضغوط خارجية. وتبنّى المجلس قرارات الحكومة اللبنانية بالإجماع، معرباً عن دعمه لإجراءات الحكومة اللبنانية لاستعادة صلاحية قرار الحرب والسلم، وحصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، استناداً إلى اتفاق الطائف والقرار الأممي 1701، ومؤكداً تأييده لقر