صيدا- في الصباح، يدير سائق "الفان" (حافلة صغيرة) أبو علي محرك مركبته في صيدا، يتفقد المرآة، يفتح الباب للركاب، ثم ينتظر قبل أن ينطلق جنوبا. يعرف الطريق جيدا، محطاتها ومفارقها والبلدات التي تتوالى على جانبيها، ويعرف أيضا كيف كانت تبدو هذه الرحلة قبل الحرب، حين كان "الفان" يمتلئ سريعا بالموظفين والطلاب والعمال والمتسوقين. واليوم، لا يغادر دائما بالمقاعد نفسها، ما إن يبتعد "الفان" عن صيدا حتى تتراجع المدينة خلف الزجاج، وتبدأ الطريق في تبديل ملامحها تدريجيا. سيارات تتقاطع عند المفارق، محال ترفع أبوابها الحديدية، وركاب ينتظرون على جوانب الطريق. وبين هذه التفاصيل اليومية، تظهر آثار الحرب في مبان متضررة ومحال لم تستعد نشاطها، ومساحات لا تزال تفتقد الحركة التي كانت تملؤها قبل الحرب. يمضي أبو علي جنوبا، فيما يبقى المقعد الفارغ إلى جواره حاضرا في المشهد. وبالنسبة إليه، لم يعد عدد الركاب مجرد تفصيل في يوم عمله، بل أصبح مؤشرا على ما أصاب حياة الناس نفسها. يقول أبو علي -للجزيرة نت- إن الرحلة تغيرت، ليس في مسارها فقط، بل في حسابات السائق أيضا. فارتفاع كلفة المعيشة أثقل كاهل الركاب، وجعل التنقل بندا إضافيا في ميزانية الأسر، بينما ارتفعت في المقابل كلفة تشغيل "الفان" من وقود وصيانة. ويضيف إلى ذلك هاجس الأمن، فكلما اتجه جنوبا، تبقى التطورات الميدانية حاضرة في ذهنه، ولا سيما مع استمرار التوتر والاستهدافات الإسرائيلية. لذلك لا تبدو المسافة بين صيدا والنبطية بالنسبة إليه مجرد طريق يقطعها يوميا، إنها رحلة ترتبط بما يجري على الأرض، وبالسؤال عما إذا كان الطريق الذي يبدؤه صباحا سيبقى مفتوحا بالوتيرة نفسها حتى نهايته. ومع اقتراب "الفان" من النبطية، تتبدل الصورة مرة أخرى. حركة أقل، ومقاعد لا تمتلئ كما كانت، وموقف لم يعد يستقبل "الفانات" بالزخم الذي عرفه قبل الحرب. في موقف النبطية، يراقب رمزي درويش عضو نقابة "الفانات" في لبنان هذا التحول من مكان يعرفه منذ سنوات، هنا كانت "الفانات" تتعاقب على خطوط تربط المدينة بمحيطها وبيروت وصيدا، وكانت حركة الركاب تمنح الموقف إيقاعا متواصلا من الصباح حتى المساء. ويستعيد درويش، في حديثه مع الجزيرة نت، صورة ما قبل الحرب "كان ينطلق من النبطية يوميا ما بين 40 و50 فانا باتجاه بيروت، إلى جانب خط مستقل نحو صيدا". وكانت الرحلات أكثر انتظاما، والمركبات تغادر محملة بالركاب. وكان امتلاء "الفان" يعني للسائق عائدا يساعده على تغطية الوقود والصيانة وتأمين دخله اليومي، يضيف درويش. أما اليوم، يقدّر المتحدث ذاته تراجع حركة "الفانات" بما لا يقل عن 90%، ويقول إن السائق الذي كان يتحرك في أكثر من رحلة، يجد نفسه اليوم أمام نحو 5 رحلات يوميا، وغالبا ما يحمل "الفان" بين 8 و9 ركاب في الرحلة الواحدة، موزعين بين بيروت وصيدا، و"الفان" الذي كان يغادر قبل الحرب بنحو 14 راكبا، بات ينطلق اليوم بعدد أقل بكثير. لكن المشكلة لا تتوقف عند المقاعد الفارغة. فكل رحلة لها كلفتها، سواء امتلأت المركبة أم لا -كما يقول درويش- إن كلفة صفيحة (وعاء معدني بسعة 20 لترا) البنزين وصلت إلى نحو 29 دولارا، في حين تراجعت الحمولة إلى ما بين 8 و10 ركاب، وبذلك تصبح إيرادات الرحلة بالكاد كافية لتغطية نفقات تشغيلها. المعادلة التي يواجهها السائق واضحة: الوقود لا ينتظر، والصيانة لا تتوقف، و"الفان" يستهلك الوقت نفسه تقريبا، لكن عدد الركاب الذين يمولون هذه الرحلة تراجع بشدة. تحت ضغط هذه المعادلة، لم يعد العمل بالنسبة إلى عدد من السائقين مرتبطا بحجم الربح بقدر ارتباطه بالحفاظ على مصدر الدخل، ويقول درويش "نعمل لكي نبقى موجودين". بعض السائقين توقفوا عن العمل، فيما اختار آخرون الاستمرار برحلات أقل مردودا. فالتوقف الكامل يعني خسارة مصدر رزق، بينما يتيح الاستمرار، ولو بعائد محدود، إبقاء "الفان" على الخط وانتظار عودة الحركة. لكن عودة الحركة لا تتعلق بالسائق وحده، فشبكة النقل العام لا تنفصل عن الخريطة السكانية والاقتصادية للمناطق التي تخدمها. عندما يعود الموظف إلى عمله، والطالب إلى جامعته، والمريض إلى مستشفاه، والمتسوق إلى السوق، وتتحرك الفانات. وحين تتعطل هذه الدورة، تتراجع معها حركة النقل تلقائيا. وهنا تظهر إحدى أبرز نتائج الحرب على شبكة المواصلات الجنوبية: خطوط لم تعد تعمل كما كانت، وأخرى توقفت تماما. قبل الحرب، كانت شبكة النقل في النبطية تتجاوز بيروت وصيدا، فهناك خطوط تربط المدينة بمرجعيون وبنت جبيل، وتمتد إلى بلدات حدودية مثل كفركلا والعديسة ورب ثلاثين، اليوم، ويقول درويش إن هذه الخطوط توقفت بالكامل. وراء توقف الخطوط حكاية أوسع من حركة "الفانات" نفسها. فالبلدات التي كانت تعتمد على هذه المركبات للوصول إلى النبطية ومراكز العمل والتعليم والخدمات، فقدت جزءا من الاتصال اليو