تبدو دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات وقطر والسعودية، أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا بعد توقف الحرب مع إيران: لا ثقة بطهران، ولا قدرة على تجاهلها. ومن هنا، تتبلور استراتيجية مزدوجة تقوم على الردع والحوار في آن واحد، في وقت تحذّر فيه قراءة إسرائيلية من خطأ تفسير الانفتاح الخليجي على إيران بوصفه تراجعًا استراتيجيًا، إذ إن تعدد الشركاء والمسارات بات جزءًا أساسيًا من سياسة هذه الدول. وبحسب تحليل للدكتور يوئيل غوجانسكي نشره موقع "N12" الإسرائيلي، فإن الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، يُعد من أبرز الأصوات التي تعكس التفكير الاستراتيجي في الخليج، ما يمنح تصريحاته الأخيرة في "Hili Forum"، أحد أبرز المنتديات الاستراتيجية في الإمارات، أهمية خاصة. وقال قرقاش: "إيران لا تزال جارتنا. الجغرافيا لا تترك لنا بديلًا عن الانخراط"، مضيفًا أن العلاقات مع إيران يمكن، بل يجب، إعادة بنائها، حتى لو استغرق ترميم الثقة سنوات طويلة وربما عقودًا. لكن النقطة الأبرز، وفق التحليل، ليست في المدة التي سيستغرقها استعادة الثقة، بل في أن الإمارات لا تنوي انتظارها. فحتى قبل الحرب، لم تكن ثقة دول الخليج بإيران مرتفعة. وفي أبوظبي والرياض والدوحة لم تكن هناك حاجة إلى حرب جديدة لمعرفة طبيعة النظام الإيراني، إذ إن هذه الدول تعرف جيدًا إيران والحرس الثوري وبرنامجها الصاروخي واستخدامها الوكلاء واستعدادها لاستخدام القوة لخدمة مصالحها الإقليمية. وبحسب التحليل، فإن هذه الدول لم تتعامل يومًا مع إيران على أنها دولة محايدة لا تشكل تهديدًا. لكن الحرب زادت الشكوك عمقًا. فآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران باتجاه الإمارات ودول خليجية أخرى دمّرت، بحسب قرقاش، جسورًا بُنيت على مدى عقود. ومن وجهة نظر أبوظبي، فإن إيران ما بعد الحرب ليست أقل تهديدًا مما كانت عليه قبلها، وربما أصبحت أكثر خطورة. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى الحديث معها أصبحت أكثر وضوحًا. ويبدو هذا الأمر متناقضًا ظاهريًا، لكنه يقع في صلب العقيدة الأمنية الخليجية: الحوار مع إيران لا يستند إلى الثقة بها، بل إلى انعدام الثقة. فالجغرافيا لم تتغير بعد الحرب. إيران لا تزال تسيطر على الساحل الشمالي للخليج، وتجاور مضيق هرمز، وتمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة القادرة خلال دقائق على إصابة منشآت الطاقة والموانئ والمطارات ومدن الدول المجاورة. وتستطيع دول الخليج تعزيز دفاعاتها الجوية، وإنشاء خطوط أنابيب وموانئ تتجاوز مضيق هرمز، وإضافة شركاء أمنيين جدد، لكنها لا تستطيع تغيير موقع إيران الجغرافي. ومن هنا تأتي ازدواجية سياستها: ردع إيران والتحدث معها في الوقت نفسه، والتسلح في مواجهتها مع إبقاء القنوات مفتوحة مع طهران، وتعميق العلاقات مع الولايات المتحدة بالتوازي مع توجيه رسالة إلى إيران بأن أراضي الخليج لا يُفترض أن تتحول إلى قاعدة للعمل العسكري ضدها. ولا يعني ذلك بالضرورة ابتعادًا عن الولايات المتحدة، بل العكس. فدول الخليج لا تزال بحاجة كبيرة إلى القدرات الأميركية، إلا أن الحرب أظهرت مجددًا أن الحماية الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا يمكنها منع كل الأضرار. فالقاعدة الأميركية تمثل أصلًا أمنيًا مهمًا، لكنها قد تتحول أيضًا، خلال حرب مع إيران، إلى سبب يجعل الدولة المضيفة جزءًا من ساحة المعركة. ومن هنا، فإن سياسة الموازنة لا تعني الاختيار بين واشنطن وطهران، بل محاولة الاحتفاظ بأمرين معًا: ردع أميركي في مواجهة إيران، وقناة مع إيران تساعد على تجنب الوصول أصلًا إلى لحظة استخدام هذا الردع. وتقدم قطر نموذجًا واضحًا لهذه المقاربة. فعلى الرغم من التهديدات والحرب، تواصل الدوحة اتصالاتها المباشرة مع طهران. وفي نهاية آب، التقى رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية في طهران وزير الخارجية الإيراني، بالتزامن مع استمرار قطر في العمل على استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة والتوصل إلى تسوية في مضيق هرمز. ولا يعكس ذلك ثقة قطر بإيران، إذ تؤكد الدوحة في الوقت نفسه حقها في الدفاع عن نفسها ورفضها للتهديدات الإيرانية، لكنها ببساطة لا ترى تناقضًا بين المسارين. وفي الإمارات أيضًا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من التقسيم التقليدي بين المواجهة والمصالحة. فأبوظبي أعلنت نيتها وقف العلاقات التجارية والمالية مع إيران، رغم أن الانفصال الكامل ليس ممكنًا فعليًا، كما تعمل بالتوازي مع الولايات المتحدة لزيادة الضغط على طهران. وقرقاش نفسه دعا إلى ضمان ألا تصبح صادرات الإمارات وتجارتها "رهينة" للحرب، من خلال الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البديلة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العلاقات الوظيفية مع إيران يجب أن تُستعاد في نهاية المطاف. وترى السعودية وقطر والإمارات أن خفض الاحتكاك م