"ليبانون ديبايت"- العميد منير شحادة بين أمن الخليج، والحرب الأميركية ـ الإيرانية، وأسواق النفط ، الرياض تفتح قناة موسكو في لحظة إقليمية شديدة الحساسية لا تبدو زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى موسكو، اليوم، زيارة بروتوكولية أو مجرد محطة جديدة في مسار العلاقات السعودية ـ الروسية. توقيت الزيارة وحده يمنحها دلالة سياسية واستراتيجية كبيرة، إذ تأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: التصعيد العسكري في المنطقة، أمن السعودية والخليج، ومستقبل أسواق الطاقة العالمية. وقد وصل وزير الخارجية السعودي إلى موسكو للقاء نظيره الروسي سيرغي لافروف، حيث تتصدر المحادثات العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية. لكن ما يجري خلف العناوين الدبلوماسية يبدو أوسع بكثير من جدول أعمال رسمي. أولاً: لماذا اختارت الرياض موسكو في هذا التوقيت؟ الإجابة الأولى تكمن في التطورات الأمنية المتسارعة. فالزيارة تتزامن مع تصعيد حوثي كبير استهدف مدناً ومنشآت اقتصادية ونفطية في جنوب السعودية، في تطور يرفع منسوب القلق السعودي بشأن انتقال تداعيات الصراع الإقليمي إلى العمق السعودي ومنشآته الحيوية. وقد أكدت الرياض، عبر وزير خارجيتها، أنها لن تتردد في الدفاع عن نفسها واستخدام الوسائل المتاحة لحماية مصالحها. وهنا تبرز موسكو بوصفها واحدة من العواصم القليلة القادرة على التواصل مع معظم أطراف المشهد الإقليمي، بما في ذلك إيران، الأمر الذي يمنحها هامشاً من الحركة الدبلوماسية لا تملكه عواصم غربية كثيرة. ولذلك فإن أحد أهداف الرياض قد يكون إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو، واستخدام النفوذ الروسي كرافعة دبلوماسية لمنع اتساع دائرة الحرب، خصوصاً إذا بدأت الهجمات على السعودية تتحول إلى مسار متكرر يهدد أمن الطاقة والممرات التجارية. ثانياً: السعودية تريد من روسيا أكثر من مجرد موقف سياسي من الخطأ قراءة العلاقة السعودية ـ الروسية من زاوية سياسية فقط. هناك شراكة شديدة الأهمية في مجال الطاقة عبر أوبك+، وقد أكد فيصل بن فرحان اليوم أن التعاون السعودي ـ الروسي، بما في ذلك ضمن أوبك+، أثبت أهميته في دعم استقرار أسواق الطاقة العالمية. وتأتي أهمية ذلك بعد اجتماع أوبك في السادس من أيلول، عندما أبقت الدول السبع المعنية بسياسة الإنتاج على الترتيبات القائمة لشهر تشرين الأول. بمعنى آخر، تصل الرياض إلى موسكو وهي تدرك أن النفط أصبح جزءاً من المعركة الجيوسياسية. فكلما اتسعت الحرب الأميركية ـ الإيرانية، وازدادت المخاطر على الملاحة في الخليج، أو تعطلت الإمدادات من المنطقة، ارتفعت أهمية التنسيق بين أكبر المنتجين القادرين على التأثير في السوق. ومن هنا فإن السعودية لا تريد فقط حماية سعر النفط ، بل تريد الحفاظ على قدرتها على إدارة سوق الطاقة في زمن الحرب. ثالثاً: موسكو بدورها تريد أن تكون جزءاً من معادلة التهدئة الجانب الروسي لا ينظر إلى الزيارة باعتبارها شأناً سعودياً ـ روسياً ثنائياً فقط. لافروف أعلن أن موسكو مستعدة للمساعدة في جهود التهدئة في المنطقة، كما أشارت التصريحات الروسية ـ السعودية إلى أهمية البحث عن حلول وسط لتنفيذ مذكرة إسلام آباد المرتبطة بوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. فروسيا، التي فقدت جزءاً من قدرتها على التأثير في بعض الملفات العربية خلال السنوات الماضية نتيجة انشغالها بالحرب الأوكرانية، ترى في الأزمة الحالية فرصة لإعادة تثبيت موقعها كـقوة توازن في الشرق الأوسط. أما السعودية، فتحتاج إلى قوة كبرى تستطيع مخاطبة الأطراف التي لا تستطيع واشنطن أو بعض العواصم الغربية التواصل معها بالفاعلية نفسها. وبالتالي فإن المصالح هنا تتقاطع: الرياض تريد من موسكو نفوذاً سياسياً، وموسكو تريد من الرياض اعترافاً بدورها كقوة دولية لا يمكن تجاوزها في ترتيبات المنطقة. رابعاً: إيران حاضرة في موسكو رغم أنها ليست على طاولة المباحثات قد لا تكون إيران العنوان الرسمي للزيارة، لكنها بالتأكيد أحد العناوين غير المعلنة. روسيا ترتبط بعلاقات استراتيجية مع طهران، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات اتصال قوية مع الرياض. وهذه المعادلة تمنح موسكو فرصة للعب دور الوسيط أو ناقل الرسائل بين أطراف يصعب عليها أحياناً التواصل المباشر. ومن هنا يمكن فهم حديث لافروف عن استعداد روسيا للمساعدة في التهدئة. فإذا كانت الحرب الأميركية ـ الإيرانية قد دخلت مرحلة تهدد بتوسيع الجبهة، فإن السعودية ستكون من أكثر الدول المعنية بمنع تحول أراضيها ومنشآتها إلى ساحة إضافية للحرب. والرياض، التي عاشت خلال السنوات الماضية تجربة مباشرة مع الهجمات على منشآتها النفطية، تدرك جيداً أن أمنها الوطني لم يعد منفصلاً عن أمن الخليج وأمن الطاقة العالمي. خامساً: رسالة سعودية إلى واشنطن أيضاً لا ينبغي النظر إلى ال