توافد حجاج ومؤمنون، اليوم الثلاثاء، إلى دير سيدة صيدنايا في ريف دمشق، للمشاركة في الاحتفالات السنوية بعيد ميلاد السيدة العذراء، المعروف محلياً باسم "عيد سيدة صيدنايا"، في مناسبة دينية واجتماعية تجمع مسيحيين من مختلف المناطق السورية ودول المشرق. ويحل العيد في 8 أيلول/سبتمبر من كل عام، ويحظى بمكانة خاصة في التقويم الأرثوذكسي، إذ يأتي في مستهل السنة الطقسية للكنيسة، فيما يُحتفل بعيد رقاد السيدة العذراء في 15 آب/أغسطس، قرب نهاية الدورة السنوية للأعياد. وترى الكنيسة في ميلاد السيدة العذراء بداية بشائر الخلاص، بوصفها والدة السيد المسيح، غير أن المناسبة اكتسبت في سوريا خصوصية إضافية بسبب ارتباطها التاريخي بمدينة صيدنايا وديرها، أحد أبرز مواقع الحج المسيحي في المشرق. زياح الأيقونة والقداس الإلهي تبدأ طقوس العيد منذ مساء 7 أيلول، بإقامة زياح أيقونة السيدة العذراء وسط التراتيل والأناشيد الدينية، قبل الاحتفال بالقداس الإلهي في اليوم التالي بمشاركة رجال الدين والمؤمنين. ويُستقبل الحجاج، وفق التقليد المحلي، عند العمود القائم في وسط البلدة براية الصليب، قبل انطلاق الزياح باتجاه الدير. وكانت الاحتفالات الشعبية والألعاب النارية وحلقات الدبكة واستقبال العائلات للضيوف جزءاً من المشهد السنوي للمناسبة. وعلى مدى عقود، استقطب العيد حجاجاً من دمشق وحلب وحمص ومدن وقرى سورية أخرى، إضافة إلى زوار من لبنان والأردن وفلسطين. كما شارك مسلمون في زيارة الدير، ما منح المناسبة طابعاً اجتماعياً وشعبياً يتجاوز حدودها الدينية. يقع دير سيدة صيدنايا البطريركي على إحدى أعلى قمم البلدة، على مسافة نحو 30 كيلومتراً من دمشق، ويتبع لبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس. وتنسب الرواية الكنسية التقليدية تأسيس الدير إلى الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الأول في القرن السادس الميلادي، بعدما ظهرت له السيدة العذراء خلال رحلة صيد وأرشدته إلى موقع بنائه وتصميمه. غير أن بطريركية أنطاكية تشير إلى أن هذه الرواية تقوم على التقليد المتوارث، في ظل عدم وجود وثائق تاريخية حاسمة تثبت تفاصيلها. ويضم الدير الأيقونة الشهيرة المعروفة باسم "الشاغورة"، التي ينسب التقليد الكنسي رسمها إلى القديس لوقا. وترتبط الأيقونة بروايات عن الشفاء والعجائب، ما أسهم في ترسيخ مكانة الدير مقصداً للحج والصلاة عبر القرون. مساحة دينية واجتماعية عابرة للحدود لم يكن الحج إلى صيدنايا مجرد زيارة دينية، إذ تحوّل العيد تاريخياً إلى موسم اجتماعي تلتقي فيه عائلات من مناطق وبلدان متعددة، وتمتلئ خلاله ساحات الدير والبلدة بالزوار. وتشير الروايات التاريخية إلى أن صيدنايا شكّلت محطة للحجاج المتجهين إلى الأراضي المقدسة منذ العصور الوسطى، فيما اتسعت شهرتها لدى الحجاج الغربيين منذ القرن الثالث عشر. كما حافظت عائلات مسيحية عربية على تقاليد مرتبطة بالمكان، بينها تعميد الأطفال في الدير خلال موسم العيد، ما جعل صيدنايا جزءاً من ذاكرة دينية واجتماعية مشتركة بين مسيحيي المنطقة.