تتزايد في أثينا التحذيرات من أن التصعيد التركي الأخير لا يندرج فقط في إطار الخطاب السياسي، بل يشكل، وفق قراءة عسكرية يونانية، جزءًا من استراتيجية ضغط متواصلة تهدف إلى انتزاع مكاسب من دون الذهاب إلى حرب شاملة، فيما تبرز في الخلفية حسابات داخلية مرتبطة بمستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وانتخابات 2028. وبحسب تقرير لوكالات الأنباء نشره موقع "معاريف"، حذّر رئيس هيئة الأركان العامة السابق للقوات المسلحة اليونانية كونستانتينوس فلوروس من أن التصريحات والتهديدات الصادرة مؤخرًا عن تركيا ليست مجرد كلام، بل جزء من جهد منهجي للضغط على اليونان وعلى الرأي العام داخلها. وفي مقابلة بُثت عبر قناة ANT1 ضمن البرنامج الجديد "Kalimera Ellada"، قال فلوروس إنه يعتقد أن تركيا لا تريد حربًا شاملة، لكنها تسعى إلى تحقيق مكاسب بواسطة التهديد باستخدام القوة، وهي مكاسب لم تكن لتتمكن من انتزاعها بوسائل أخرى. وقال: "كل هذه الأمور كان يمكن أن تكون مضحكة لولا أنها خطيرة أيضًا". وأضاف أن تركيا تستخدم التصريحات والتهديدات "كرافعة ضغط"، وتنفذ عمليًا ما وصفه بـ"عمليات نفسية"، تستهدف بصورة خاصة الرأي العام والحكومة في اليونان. ورأى فلوروس أن تركيا كانت، على مدى السنوات، الطرف الذي بادر إلى التصعيد في العلاقات بين البلدين، قائلًا: "اليونان لا تخلق الأزمات لأنها لا تطالب تركيا بشيء"، مضيفًا أن المطالب التركية اتسعت تدريجيًا منذ سبعينيات القرن الماضي. وأوضح أن أثينا ترى أن هناك خلافًا مركزيًا واحدًا مع أنقرة، يتعلق بترسيم الحدود البحرية والجرف القاري. وأكد فلوروس أن أنقرة تحاول من خلال الضغط المستمر دفع الجانب اليوناني إلى تقديم تنازلات، مستذكرًا الأزمة الحادة التي وقعت بين البلدين عام 2020، عندما بقيت القوات اليونانية في حال تأهب كامل لأشهر وواجهت تركيا في البحر والبر والجو. وبحسب روايته، خرجت اليونان من تلك الأزمة في موقع جيد، فيما اختار أردوغان لاحقًا خفض مستوى التوتر، إلا أن أنقرة قد ترى اليوم، وفق تقدير فلوروس، أن الظروف تسمح بإعادة استخدام الأسلوب نفسه من الضغط. وربط رئيس الأركان اليوناني السابق السلوك التركي أيضًا بالسياسة الداخلية. وقال إن الانتخابات الرئاسية التركية مقررة في عام 2028، وإن أردوغان، الذي يشغل حاليًا ولايته الثانية، لا يستطيع وفق الدستور الترشح مرة أخرى في الظروف العادية. إلا أن فلوروس أشار إلى أن الدستور يسمح بسيناريو قد تؤدي فيه الدعوة إلى انتخابات مبكرة قبل انتهاء الولاية إلى تمكين أردوغان من الترشح مجددًا. ومن هنا، رأى ضرورة أخذ احتمال استخدام التصعيد مع اليونان أيضًا لخدمة أهداف سياسية داخلية في الاعتبار. وقال: "يجب أن نأخذ هذا في الاعتبار عندما نرى تركيا تمارس الضغط وتزيد منسوب التوتر والأزمات". وأضاف أن التصريحات الصادرة من أنقرة قد تستخدم في الوقت نفسه لتهيئة الرأي العام التركي والضغط على اليونان. وعندما سُئل عما إذا كان أردوغان قد يحاول افتعال أزمة حول مشاريع خلافية بين البلدين، قال فلوروس إن هذا السيناريو ممكن، ولا سيما في قضايا مثل الكابل البحري أو خلافات أخرى في شرق البحر المتوسط. ومع ذلك، شدد على أن أنقرة، وفق تقديره، لا تريد الوصول إلى حرب شاملة. وقال: "تركيا تريد أن تحقق ما تريده عبر التهديد باستخدام القوة. هي لا تريد خوض حرب". وأضاف: "لن تخاطر بذلك. اليونان خصم قوي جدًا بالنسبة إلى تركيا، وهي دولة تمتلك قدرات دفاعية كبيرة". ورأى فلوروس أن قوة الردع اليونانية أثبتت فعاليتها خلال أزمة 2020، وأن القوات المسلحة تعززت بصورة كبيرة منذ ذلك الحين. وأشار في هذا الإطار إلى مقاتلات Rafale، والفرقاطات الجديدة، ومقاتلات F-35 المنتظر وصولها، ومروحيات Black Hawk ومروحيات Romeo التابعة لسلاح البحرية. كما تطرق إلى التعاون الأمني مع إسرائيل وإلى أنظمة دفاع جوي يُتوقع دمجها في المنظومة اليونانية. وخصص فلوروس جزءًا أساسيًا من حديثه لمنظومة الدفاع الجوي الجديدة في اليونان، المعروفة باسم "درع أخيل". وأوضح أنها منظومة متكاملة ومتعددة الطبقات، صُممت لربط قدرات دفاعية في مواجهة طيف واسع من التهديدات الجوية والصاروخية. وقال إن فكرة المنظومة تبلورت في أعقاب الأزمات مع تركيا في بداية العقد الحالي، وخضعت لأعمال تخطيط ودراسة، وحصلت على موافقة المستويات العسكرية منذ عام 2022، قبل أن تنتقل الآن إلى مرحلة التنفيذ. ومن المتوقع أن تشمل المنظومة وسائل قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، على أن يُنشر بعضها أيضًا في الجزر والمناطق التي تحتاج إلى حماية إضافية. لكن فلوروس حذّر من التعامل مع المنظومة باعتبارها حلًا نهائيًا، قائلًا: "إنها ليست حلًا سحريًا"، مضيفًا: "إنها وسيلة ردع مهمة جدًا". وأكد أن الدفاع الجوي الثابت وحده لا يكفي، وأن على اليونان