دخلت إسرائيل في سباق دبلوماسي مع الوقت لمحاولة احتواء تداعيات التحرك البريطاني المرتقب ضد المستوطنات، بعدما باتت التقديرات في القدس تشير إلى أن وقف القرار البريطاني نفسه أصبح شبه مستحيل، ما دفع الجهود الإسرائيلية والأميركية إلى التركيز على الهدف الأخطر: منع فرنسا ودول أوروبية أخرى من السير في الاتجاه نفسه وتحويل الخطوة البريطانية إلى سابقة قابلة للتوسع. وبحسب تقرير للصحافية آنا برسكي في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن إسرائيل والولايات المتحدة تديران خلال الساعات الأخيرة تحركًا سياسيًا مكثفًا بهدف وقف اتساع الخطوة البريطانية ضد المستوطنات، مع تركيز خاص على منع باريس وعواصم أوروبية إضافية من الانضمام إليها. وتقدّر أوساط في القدس أن التطورات بلغت مرحلة تجعل من الصعب جدًا وقف القرار البريطاني، ولذلك تحوّل الجهد الأساسي إلى محاولة عزله ومنع تحوله إلى نموذج تتبناه تدريجيًا دول غربية أخرى من خلال حظر التجارة مع المستوطنات. وعلى هذه الخلفية، شددت إسرائيل رسائلها الموجهة إلى لندن، بالتوازي مع زيادة الانخراط الأميركي في الملف. وتشير إسرائيل إلى أن للقرار تداعيات على العلاقات بين الدولتين، فيما بدأت تصدر في الولايات المتحدة تحذيرات من كلفة قد تدفعها شركات بريطانية بسبب نشاطها داخل السوق الأميركية. ومع أن حظر استيراد منتجات المستوطنات بحد ذاته لا يُتوقع أن يُلحق بإسرائيل ضررًا اقتصاديًا كبيرًا، فإن مصدر القلق الأساسي في القدس يتمثل في احتمال أن يمنح القرار شرعية لتحركات مماثلة في دول أخرى. وتحتل فرنسا حاليًا مركز المعركة الدبلوماسية. وبحسب معلومات وصلت إلى إسرائيل، تعمل بريطانيا مع دول أوروبية إضافية لدفعها إلى الانضمام إلى الإجراءات، فيما تدرس باريس هذا الخيار. وحتى الآن، لم تعلن فرنسا قرارًا رسميًا، كما أن مجرد دراسة الخطوة لا يعني بالضرورة تبنيها. إلا أن الموقف الذي ستتخذه باريس يحظى بأهمية خاصة في القدس، إذ إن انضمامها إلى لندن سيجعل من الصعب تقديم التحرك باعتباره مبادرة بريطانية معزولة، وقد يمنح أي خطوة مشتركة بين قوتين أوروبيتين دفعًا لمواقف مشابهة في عواصم أخرى. ولا يُنظر إلى هذا الاحتمال بوصفه سيناريو نظريًا، إذ سبق لبريطانيا وفرنسا ودول غربية أخرى أن اتخذت إجراءات منسقة ضد جهات مرتبطة بالمستوطنات وبأعمال العنف في الضفة الغربية. كما أن توسيع الضغط لا يحتاج بالضرورة إلى قرار مشترك من الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذ يمكن لعدد من الحكومات أن يتخذ إجراءات وطنية متوازية وينسق سياساته خارج إطار قرار أوروبي شامل، وهو مسار سبق أن شكّل أساسًا لتحركات مشتركة. وفي موازاة ذلك، تجري تحركات دبلوماسية خلف الكواليس. فقد وجّه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالة مباشرة إلى نظيره البريطاني إد ميليباند، مفادها أن إسرائيل سترد إذا تحركت بريطانيا ضدها. وقال ساعر علنًا إن إسرائيل تملك "أدوات" وإنها تستعد لاتخاذ إجراءات مضادة، من دون أن يكشف طبيعتها. ويخدم هذا الغموض أيضًا الضغط الذي تمارسه إسرائيل، إذ يصبح على بريطانيا والحكومات الأخرى التي تراقب خطوتها احتساب احتمال رد إسرائيلي لم يُحسم بعد حجمه أو طبيعته. ومن بين الخيارات التي جرى بحثها إبعاد ممثلين بريطانيين عن إطار التنسيق الدولي المرتبط بقطاع غزة، إلى جانب خطوات أكثر حدة لم تُكشف تفاصيلها. وحتى الآن، لم يصدر قرار علني بتنفيذ أي من هذه الخيارات، لكن مجرد دراستها يشير إلى أن إسرائيل تفكر في رد قد يتجاوز ملف المستوطنات إلى مجالات أخرى في العلاقة مع بريطانيا. وانضم الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ اليوم إلى هذا الجهد، وتطرق صراحة إلى احتمال التحاق دول أخرى ببريطانيا. وحذّر هرتسوغ من العقوبات والمقاطعة، واعتبرها خطأً جسيمًا في التقدير، كما رأى أن اتخاذ مثل هذه الإجراءات خلال فترة الانتخابات في إسرائيل قد يشكل "تدخلًا فاضحًا" في العملية الديمقراطية. وقال إن الإضرار بالنشاط الاقتصادي في المستوطنات قد ينعكس أيضًا على فلسطينيين يعملون في شركات ومصانع داخل المنطقة. وتوسّع هذه الحجج نطاق النقاش الجاري في أوروبا بشأن القرار. فلندن تحرص على التمييز بين دولة إسرائيل والمستوطنات، وتعرض القيود على أنها محصورة بالنشاط القائم خارج الخط الأخضر. أما إسرائيل فتحذّر من أن تكريس سابقة قانونية لحظر التجارة قد يسهل لاحقًا توسيع الإجراءات لتشمل مجالات إضافية، من الخدمات والتمويل وصولًا إلى نشاط الشركات. وانضم إلى التحرك الإسرائيلي أيضًا ضغط أميركي يتركز حتى الآن على التداعيات الاقتصادية المحتملة. فقد حذّر السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي من أن القرار البريطاني قد يثير ردًا داخل الولايات المتحدة ويعرّض شركات بريطانية لمخاطر بسبب قوانين مكافحة المقاطعة المعمول بها في عدد من ال