تتجاوز معركة مرتفعات علي الطاهر حدود السيطرة على موقع جغرافي في جنوب لبنان، لتفتح الباب أمام أسئلة أكثر خطورة تتصل بالمرحلة التالية من العمليات العسكرية الإسرائيلية، والوجهة التي قد تختارها إسرائيل بعد تثبيت حضورها في هذه المنطقة: النبطية غربًا، أم مرتفعات السجود والريحان، أم مواصلة سياسة القضم التدريجي للقرى والبلدات؟ وفي وقت تتضارب فيه الروايات بشأن القيمة الفعلية لمرتفعات علي الطاهر، بين تضخيم إسرائيلي لأهميتها وتقليل من جانب الحزب لدورها، يضع الخبير العسكري العميد المتقاعد جورج نادر الموقع ضمن توصيف أكثر توازنًا، معتبرًا أنه ليس موقعًا يحسم وحده مسار المعركة، لكنه يشكّل عسكريًا "مفتاح أرض" يمنح من يسيطر عليه قدرة أكبر على المراقبة والتحرك وفرض وقائع جديدة. ويوضح نادر في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن مرتفعات علي الطاهر تتمتع بميزة عسكرية، لكونها تشرف على مساحة واسعة من القرى والمناطق المحيطة، ما يجعل السيطرة عليها عاملًا مساعدًا لأي تقدّم بري محتمل باتجاه النبطية وكفررمان وكفرتبنيت وميفدون وشوكين، أو نحو مرتفعات السجود والريحان. ويشير إلى أن مصطلح "مفتاح الأرض" يُستخدم عسكريًا لوصف المواقع التي تمنح القوات المسيطرة عليها قدرة أفضل على التغطية النارية والمراقبة والتقدّم، لافتًا إلى أن أهمية علي الطاهر تكمن في موقعها وإشرافها على محاور متعددة، لا في كونها قادرة بمفردها على تغيير موازين المعركة. ويرى نادر، أن الحزب قلّل من أهمية المرتفعات بعد خسارتها، فيما ذهبت إسرائيل في الاتجاه المعاكس، إذ ضاعفت من قيمتها العسكرية والسياسية بهدف استثمار السيطرة عليها داخليًا وانتخابيًا لمصلحة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. ويقول: "لو تمكّن الحزب من الاحتفاظ بالموقع لمنحه أهمية أكبر، بينما صوّرته إسرائيل كأن السيطرة عليه تعني حسم المعركة بالكامل، وهذا أيضًا غير دقيق". وبحسب نادر، فإن الحقيقة تقع بين الروايتين؛ فعلي الطاهر ليست بالمستوى الاستراتيجي الذي تقدّمه إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه ليست موقعًا هامشيًا أو خاليًا من المنشآت، كما يحاول الحزب تصويرها. ويشير إلى أن المرتفعات تضم، وفق المعطيات المتداولة، مركز قيادة ومواقع للصواريخ ومهبطًا للمسيّرات الصغيرة، إضافة إلى مخازن وأنفاق مترابطة وغرفة عمليات، ما يجعلها منشأة عسكرية كبيرة ومهمة ضمن البنية التي أقامها الحزب في المنطقة. ويؤكد نادر أن السؤال الأهم لم يعد يتعلّق بما كانت تحتويه المرتفعات، بل بما قد تفعله إسرائيل بعد السيطرة عليها، موضحًا أن قراءة النيات الإسرائيلية تبقى صعبة، إلا أن المعطيات الميدانية تفتح الباب أمام 3 سيناريوهات رئيسية. ويتمثل السيناريو الأول، وفق نادر، في تقدّم إسرائيلي غربًا باتجاه مدينة النبطية ومحيطها، مستفيدًا من الموقع المرتفع وقدرته على تسهيل الحركة نحو القرى الواقعة أسفله. ويشدّد على، أن "النبطية ليست هدفًا عاديًا، فهي مركز محافظة النبطية وإحدى أبرز مدن الجنوب بعد صيدا وصور، فضلًا عن رمزيتها السياسية والشعبية، باعتبارها مركز ثقل أساسيًا للحزب وحركة أمل". ويعتبر أن أي محاولة إسرائيلية للاقتراب من المدينة أو السيطرة عليها ستشكّل تحوّلًا كبيرًا في مسار المواجهة، وستكون لها تداعيات واسعة على السكان ومجمل الأوضاع في الجنوب، نظرًا إلى الكثافة السكانية والرمزية التي تتمتع بها النبطية. أما السيناريو الثاني، فيقوم على تحرّك إسرائيلي باتجاه مرتفعات السجود والريحان، وهي مواقع تمنح بدورها قدرة واسعة على الإشراف على جزين وأجزاء من البقاع وصيدا ومحيطها. وبحسب نادر، فإن السيطرة على هذه المرتفعات قد تساعد إسرائيل على فرض واقع عسكري جديد، وتمنحها أوراقًا إضافية في أي مفاوضات مقبلة، سواء حول الحدود أو الترتيبات الأمنية أو مستقبل الانتشار العسكري في الجنوب. أما السيناريو الثالث، فيتمثل في الإبقاء على الوضع الميداني الحالي، بالتوازي مع مواصلة سياسة القضم التدريجي للقرى والبلدات الواقعة تحت الضغط الناري، ولا سيما كفررمان وكفرتبنيت والقرى الحدودية وبلدات جنوب الليطاني، ومن بينها حداثا والمنصوري. ويشرح نادر أن إسرائيل قد تعمد، وفق هذا السيناريو، إلى توسيع الشريط الذي تسيطر عليه تدريجيًا، مستفيدة من النزوح وصعوبة عودة الأهالي إلى البلدات المستهدفة، من دون الذهاب مباشرة إلى عملية واسعة باتجاه المدن الكبرى. وفي قراءته لموازين القوى، يعتبر نادر، أن إسرائيل تقف حاليًا في موقع ميداني أقوى، في مقابل ضعف كبير يواجهه الحزب نتيجة الخسائر التي تكبّدها. إلا أنه يؤكد أن تحديد المسار المقبل يبقى رهن التطورات والقرارات التي ستتخذها إسرائيل خلال الأيام المقبلة. ويخلص إلى، أن المشهد لا يزال ضبابيًا، في ظل رفض الحزب الدخول في بحث صريح بشأن المرحلة المقبلة أو القبول بنتائج الم