بين مواطن يُطالَب كل صباح بفاتورة أو ضريبة أو رسم جديد، وإدارة رسمية يبدو أن همّها الأساسي ينحصر في تحصيل الضرائب والرسوم، يعيش اللبناني اليوم مفارقة قاسية: ضرائب ورسوم تُجبى وفق أسعار الصرف الفعلية، في مقابل خدمات عامة تكاد تكون معدومة. وليس هذا الواقع وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة أفضت إلى الانهيار الذي يعيشه لبنان اليوم، وفي مقدمتها سوء السياسات المالية والضريبية والمصرفية التي اعتُمدت خلال السنوات الماضية. وهكذا وجد لبنان نفسه أمام دولة تنخرها المصالح الخاصة، وتتحكم في مفاصلها مافيا الفساد وسلطة المال والأحزاب، الأمر الذي جعل أي محاولة جدية للإصلاح تصطدم بمصالح متجذّرة داخل النظام نفسه. من هنا، أرى أن أي مقاربة إصلاحية، مهما كانت منطقية وعادلة ومتقدمة، ستبقى قاصرة ما لم تُفكَّك المنظومة القائمة، وتُنزَع «ألغامها» تدريجياً، خطوةً بعد أخرى، بما يسمح بإعادة بناء الدولة على أسس سليمة ومستدامة. أمام هذا الواقع المرير، تبقى المؤسسات الرسمية أسيرة المحاصصة والحسابات الشخصية، إلى جانب نفوذ القوى الرأسمالية المؤثرة في الاقتصاد، والتي تستفيد في بعض الحالات من ثغرات قانونية تتيح لها التهرّب من الضريبة التصاعدية العادلة، فضلاً عن تشكيل لوبي معارض لهذه الضريبة وغيرها من الضرائب المباشرة التي تطال أصحاب المداخيل المرتفعة، وبالتالي يتحمّل المستهلك النهائي هذا الكم من الضرائب غير المباشرة. صحيح أن الظروف الإقليمية والدولية الراهنة لم تسمح حتى الآن ببناء «لبنان الجديد» الذي يحلم به كثيرون، وأن الإصلاح الداخلي لا يمكن فصله بالكامل عن المعادلات الإقليمية والدولية التي تؤثر في القرار اللبناني. إلا أن المواطن اللبناني، رغم كل ذلك، ما زال يأمل خيراً، ويعتبر أن الضامن الأساسي لأي مسار إصلاحي جدي، ضمن الحدود المتاحة حالياً، هو رئيس الجمهورية، باعتباره حامي الدستور والساعي إلى تحقيق حياة كريمة للمواطن، بالتعاون مع رئيس الحكومة، حامل راية العدل والإصلاح. لكن، حتى تاريخه، لم نلحظ على الأقل وضع حجر الأساس، لمشاريع أساسية في قطاعات المياه والكهرباء والطرق، رغم وجود خطط ومشاريع جاهزة في أدراج مجلس الوزراء، إلى جانب استعداد القطاع الخاص للمشاركة والتمويل. ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما جدوى دفع الضرائب إذا كانت الدولة عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات الأساسية للمواطن؟ لقد عيّن وزير المال لجنة مكلّفة بدراسة وإعادة صياغة قانون ضريبة الدخل. وهنا يبرز سؤال أساسي: هل تحمل هذه الخطوة مشروعاً لإصلاح حقيقي للنظام الضريبي، أم أنها ستكون محاولة جديدة تُضاف إلى سجل الإصلاحات المؤجلة؟ وضمن هذا الإطار أقترح على هذه اللجنة اعتماد الضريبة الموحدة التصاعدية على الدخل، باعتبارها من أكثر الخيارات عدالة وكفاءة لإعادة بناء النظام الضريبي اللبناني. فالضريبة التصاعدية تسمح بتوزيع العبء الضريبي بصورة أكثر إنصافاً، بحيث يتناسب ما يدفعه المكلّف مع قدرته المالية الفعلية، بدلاً من تحميل أصحاب الدخل المحدود والمتوسط أعباء ضريبية متزايدة من خلال الضرائب غير المباشرة. وفي هذا الإطار، أقترح على اللجنة أيضا الاستفادة من الملاحظات التي قدمتها نقابة خبراء المحاسبة إلى وزارة المال عام 2010، مع تحديثها في ضوء التطورات والأساليب الضريبية المعتمدة حتى اليوم. والقاعدة التي ينبغي الانطلاق منها واضحة: إذا كانت الدولة تريد زيادة إيراداتها بطريقة عادلة ومستدامة، فعليها أن تركّز بصورة أكبر على الضرائب المباشرة على الدخل، في مقابل تخفيض الضرائب على الاستهلاك، أو على الأقل عدم زيادتها. فالضريبة ليست مجرد وسيلة لتحصيل الأموال، بل هي جزء من عقد واضح بين الدولة والمواطن: المواطن يدفع، والدولة في المقابل تؤمّن الخدمات وتحمي الحقوق وتضمن العدالة وتخضع للمساءلة.ومع طرح مشروع موازنة العام 2027، أطالب أيضاً بتعديل النص الذي يتكرر في نهاية بعض البنود الضريبية في الموازنة، والذي ينص على: "على أن تحدد عند الاقتضاء دقائق تطبيق هذه المادة بقرار يصدر عن وزير المالية". ويفترض، برأيي، أن يُضاف إلى هذا النص ما يضمن عدم مخالفة القرار الوزاري للهدف التشريعي من المادة المعنية، مع وضع آلية واضحة تتيح للنواب، عند حدوث مثل هذه المخالفة، الطعن في قرارات الوزير أمام المجلس الدستوري، وفقاً للأصول القانونية والدستورية. وتبرز أهمية هذا الأمر في ضوء سوابق أدت إلى حرمان الخزينة من إيرادات بملايين الدولارات خلال الفترة الممتدة من عام 2003 إلى عام 2017، نتيجة قرار وزير المال آنذاك فؤاد السنيورة رقم 403/1 المتعلق بتطبيق المادة 51 من قانون موازنة العام 2003، والذي سمح للمصارف باقتطاع ضريبة الفوائد من ضريبة الأرباح، الأمر الذي أدى عملياً إلى إفراغ النص القانوني من مضمونه. كما صدرت عن بعض وزراء المال السابقين قرارات