يتزامن التصعيد المتجدد في جنوب لبنان مع رفع الجيش الإسرائيلي مستوى جاهزيته إلى أقصى درجاته، في مشهد يعكس اتساع القلق من أن تأتي الجولة المقبلة من إحدى الجبهات المفتوحة أو من أكثر من جبهة في وقت واحد. وجاءت المناورة العسكرية المفاجئة التي أطلقها رئيس هيئة الأركان إيال زامير لمحاكاة اندلاع مواجهة واسعة ومتعددة الجبهات، واستدعاء قادة وقوات من الاحتياط، لتؤكد أن المؤسسة العسكرية تتعامل مع احتمال المفاجأة بوصفه أحد السيناريوات الأساسية في المرحلة الحالية. ويختصر محللون عسكريون إسرائيليون المشهد بأنه مرحلة شديدة التوتر، تتبدل فيها التهديدات والتحالفات بوتيرة سريعة، فيما تبقى إيران ولبنان والضفة الغربية في صدارة ساحات القلق. ومن زاوية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يضاف إلى ذلك الملف النووي الإيراني ومصير اليورانيوم المخصب، باعتباره عنصراً يمكن أن يعيد سريعاً رفع مستوى المواجهة مع طهران. غير أن رفع الجاهزية يجري فيما يواجه الجيش الإسرائيلي أزمة داخلية متراكمة منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعد سنوات من القتال المتواصل والأعباء الثقيلة التي تحملتها قوات الاحتياط والوحدات النظامية. ويرى المحلل العسكري في صحيفة "إسرائيل هيوم" يوآف ليمور أن الانتخابات المقبلة ستتجاوز مسألة هوية رئيس الحكومة، لتحدد إلى حد بعيد المسار الذي ستسلكه إسرائيل، وما إذا كانت ستبقي جبهاتها مفتوحة أو تتجه إلى إغلاق بعضها، إضافة إلى مستقبل علاقاتها الدولية وسط اتساع الانتقادات والضغوط الخارجية. لكن القضية الأشد حساسية، في تقديره، تتعلق بمستقبل الجيش بوصفه "جيش الشعب"، وبقدرته على تخفيف العبء عن جنود الاحتياط والوحدات العاملة بعد سنوات من الاستنزاف. ويضع ليمور رئيس هيئة الأركان أمام معادلة معقدة، إذ يجد زامير نفسه في موقع يتحتم عليه فيه إدارة الاعتبارات العسكرية وسط احتكاك دائم بين الحسابات الأمنية والسياسية، فيما يعاني الجيش أزمة ثقة وضغوطاً بشرية وعملياتية فرضتها حرب طويلة لا تبدو نهايتها واضحة. وهذا تحديداً ما يمنح المناورة المفاجئة الأخيرة دلالة إضافية. فالجيش يحاول التأكد من قدرة منظومة القيادة على الانتقال بسرعة من النشاط العملياتي الجاري إلى حرب أوسع، من دون تكرار إخفاقات المفاجأة التي ارتبطت بهجوم 7 أكتوبر. المراسل العسكري للقناة "12" نير دفوري أشار إلى أن المنظومة الأمنية دخلت خلال أيلول/سبتمبر مستوى مرتفعاً من التأهب تزامناً مع موسم الأعياد اليهودية، بعدما حذر زامير هيئة الأركان من "فترة متوترة ومتقلبة في جميع الجبهات"، وحدد الجاهزية لهجوم مفاجئ قاعدةً للعمل العسكري. وتشمل الاستعدادات، إلى جانب الجبهة اللبنانية، الضفة الغربية وغزة وإيران. فالجيش الإسرائيلي يواصل نشاطه في أكثر من ساحة، مع الاحتفاظ بقوات جاهزة للانتقال إلى تصعيد سريع إذا تغيرت المعطيات. وفي هذا السياق، يذهب المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" آفي أشكينازي إلى أن الضغوط الأميركية على إيران والضربات التي تعرض لها "حزب الله" والعمليات الإسرائيلية ضد "حماس" تدفع أطراف "المحور" إلى البحث عن ساحة يمكن من خلالها تغيير ميزان المواجهة. وبحسب أشكينازي، ترصد الأجهزة الإسرائيلية محاولات لنقل أموال إلى الضفة الغربية ودفع نشاط مسلح فيها، "في وقت تعاني فيه إيران وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي صعوبة في إحداث تحول استراتيجي في المواجهة مع إسرائيل". جنود إسرائيليون ينفذون عملية عسكرية في مخيم عسكر للاجئين الفلسطينيين شرق نابلس في الضفة الغربية المحتلة، 4 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب) ويضع أشكينازي جنوب لبنان في قلب هذه الحسابات. فخسارة "حزب الله" شبكة من 15 نفقاً في منطقة المواجهة، بحسب الرواية الإسرائيلية، "شكّلت ضربة عملياتية ومعنوية له، بينما لا تقدم طهران مستوى الدعم الذي يحتاج إليه الحزب لحماية ما تبقى من أصوله العسكرية المهمة جنوباً". ويخلص إلى أن هذا المزيج من الضغط والإحباط يمكن أن يرفع الدافع لتنفيذ هجوم على إسرائيل، مباشرة أو عبر عملية خارج الحدود اللبنانية تحمل "بصمة عملياتية منخفضة" وتتيح تجنب تحمل المسؤولية المباشرة عن إشعال حرب واسعة. أما المراسل العسكري لـ"يديعوت أحرونوت" إليشاع بن كيمون، فيصف الأيام الحالية في جنوب لبنان بأنها حاسمة، في ظل تحول المنطقة المحيطة بالمواقع الاستراتيجية إلى ساحة مواجهة يمكن أن تهدد اتفاق وقف إطلاق النار الهش. وخلف تبادل الضربات الميدانية، يرى بن كيمون صراعاً أوسع على قواعد المرحلة المقبلة. فإسرائيل تسعى إلى تدمير ما تعتبره بنى عسكرية متبقية لـ"حزب الله"، فيما يحاول الحزب منع خسارة المزيد من أصوله والحؤول دون فرض واقع جديد في الجنوب. ويخشى الجانب الإسرائيلي أن يقود هذا الاحتكاك إلى تصعيد أوسع يطيح الترتيبات القائمة، ولا سيما إذا نجح "حزب الله" في دفع إ