في زمنٍ تُقاس فيه القصص بالثواني، ويُطلب من كل محتوى أن يخطف الانتباه منذ اللحظة الأولى، لا يزال في حمانا من يروي الحكاية على مهل. في زاوية من مقهى قديم في إحدى قرى جبل لبنان، يجلس الحكواتي، يحمل ذاكرة المكان ويترك للقصة وقتها الكامل كي تُروى. إنه شادي سعد، ابن حمانا ومراقب الطيور، الذي اختار أن يحافظ على واحد من أقدم فنون السرد الشعبي: الحكواتي. لا "هوك" يفتتح به روايته، ولا زرّ "تخطٍّ" يختصر الحكاية، بل صوتٌ وحضورٌ وجمهورٌ يجلس ليستمع. حين كانت القهوة مسرحاً للحكاية قبل أن تدخل الشاشات والهواتف الذكيّة إلى تفاصيل الحياة اليومية، كانت المقاهي الشعبية في لبنان وبلاد الشام أكثر من أماكن لشرب القهوة. كانت مساحات للقاء وتبادل الأخبار وسماع الحكايات، وكان الحكواتي أحد أبرز وجوهها. يجلس الراوي وسط الحضور، ويمسك بكتاب أو يستند إلى ذاكرته، ثم يبدأ روايته مستخدماً صوته وتعبيراته وإيقاعه في شدّ المستمعين. وقد يترك الحكاية عند لحظة مشوّقة، ليعود إليها في اليوم التالي، فيبقى الجمهور منتظراً تتمّتها. لم تكن الحكاية مجرد كلمات تُقال، بل كانت طقساً اجتماعياً كاملاً، يقوم على الحضور والانتظار والتفاعل بين الراوي ومستمعيه. حكواتي حمانا... حكاية لا تزال حيّة في حمانا، لا يزال هذا التقليد حاضراً بصورة نادرة ولافتة. شادي سعد، ابن البلدة ومراقب الطيور، يجلس في المقهى بزيّه التقليدي الذي يستحضر صورة الحكواتي في الذاكرة الشعبية، ويروي قصصاً أمام أجيال لم تعد تعرف هذا الفن إلا من الكتب أو الصور القديمة. بالنسبة إلى شادي، الحكاية ليست شيئاً منفصلاً عن الحياة، بل جزء منها. يقول: "حياتنا كلها قصة... الوعية الصبح قصة، شرب القهوة قصة، صباح الخير قصة". بهذه النظرة، لا يصبح الحكواتي مجرد شخص يروي قصصاً قديمة، بل شاهداً على تفاصيل الحياة نفسها، يحوّل المواقف اليومية والذكريات والتجارب إلى حكايات قابلة لأن تنتقل من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل. الحكواتي في مواجهة جيل السرعة الفارق بين جمهور الحكواتي قديماً والجمهور اليوم لا يتعلق بالعمر فقط، بل بطريقة استقبال القصة. كان المستمع قديماً يذهب إلى الحكاية، يجلس أمام الراوي وينتظر. أما اليوم، فتصل القصص إلى الجمهور عبر الهاتف، مختصرة وسريعة، وغالباً ما تُصمَّم لتشد الانتباه خلال ثوانٍ قليلة. هنا تظهر المفارقة: في عالم المحتوى الرقمي، على القصة أن تبدأ بـ"هوك" قوي حتى تمنع المشاهد من الانتقال إلى الفيديو التالي. أما الحكواتي، فلا يحتاج إلى خطف الانتباه في الثانية الأولى، فالحكاية تأخذ وقتها، والمستمع يمنحها وقته. ربما تكمن خصوصية الحكواتي في أنه يعيد للمستمع علاقة مختلفة مع القصة. أمام شاشة الهاتف، يستطيع المشاهد أن يوقف الفيديو أو يتجاوزه أو ينتقل إلى محتوى آخر في لحظة. أما أمام الحكواتي، فالعلاقة مباشرة. الراوي حاضر أمامك، بصوته وتعبيراته وتفاعله، وأنت جزء من اللحظة نفسها. يختصر شادي هذه العلاقة بقوله: "لا يستطيعون إيقافنا... هم أحرار في الرحيل أو البقاء، لكننا لن نرحل، بل هم من سيرحلون". في هذه الجملة تكمن روح الحكواتي: الراوي لا يطارد المشاهد، ولا ينافس على انتباهه مع عشرات المقاطع الأخرى. هو فقط يروي، ويترك للمستمع حرية البقاء. في زمن أصبحت فيه القصص أسرع استهلاكاً وأكثر سرعة في النسيان، يعيد الحكواتي طرح سؤال بسيط: ماذا لو لم تكن السرعة شرطاً للحكاية الجيدة؟ الحكواتي يذكّر بأن الانتظار يمكن أن يكون جزءاً من المتعة، وأن القصة لا تحتاج دائماً إلى أن تكشف كل شيء منذ البداية. أحياناً، يكفي أن نجلس ونستمع. ويؤمن شادي بأن الصوت والحكاية "دائماً أقوى من الموت"، لأن الإنسان قد يرحل، لكن قصّته يمكن أن تبقى، تنتقل من ذاكرة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل. وجود الحكواتي في حمانا ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل محاولة للحفاظ على مساحة من الذاكرة في زمن تتسارع فيه الحياة يوماً بعد يوم. فبينما تتنافس المنصات الرقمية على ثواني انتباهنا، يجلس الحكواتي بهدوء، يروي، ويترك للحكاية أن تتنفس. وفي حمانا، لا تزال هناك حكايات لا تحتاج إلى "هوك"... لأن صوت الراوي وحده يكفي كي نبقى حتى النهاية.