يستند هذا المقال إلى الكتاب الصادر في 8 أيلول، والذي أعدّه المحلل العسكري البارز في صحيفة "جيروزاليم بوست" يونا جيريمي بوب، وعضو هيئة تحرير صحيفة "وول ستريت جورنال" إليوت كوفمان، ويقدمان في كتابهما "في غرفة الحرب: القصة من الداخل لحرب إسرائيل ضد حماس والمحور الإيراني" رواية من داخل دوائر الحرب الإسرائيلية. "في تمام الساعة 3:30 من بعد ظهر 17 أيلول 2024، بدأت أجهزة النداء الآلي «البيجر» تصدر صفيراً واهتزازاً في بيروت ومناطق أخرى من لبنان، لتنبيه عناصر حزب الله إلى رسالة من قيادتهم. لكن الرسالة لم تكن من حسن نصرالله أو من أي مسؤول آخر في التنظيم. وبعد أقل من عشر ثوانٍ، انفجرت أجهزة النداء، ما أدخل حزب الله ولبنان وإيران وحتى البيت الأبيض في حالة من الذعر. وقبل أن يدرك أحد ما الذي يحدث، كان عناصر حزب الله يتساقطون عن دراجاتهم النارية أو ينهارون داخل المتاجر، فيما يتلوّون من الألم ويتصاعد دخان غريب من جيوبهم أو أحزمتهم أو من بين أصابعهم. ومع دوي الانفجارات وحالة الهلع التي أعقبتها، بات واضحاً أن عملية تخريب واسعة النطاق كانت قد بدأت. وأدى تفجير أجهزة النداء إلى مقتل أو إصابة نحو 3500 من عناصر حزب الله. كما قُتل ما بين طفلين وأربعة أطفال، وأصيب عدد آخر من المدنيين. إلا أن أكثر ما لفت انتباه المراقبين كان دقة الاستهداف. ووصف الجنرال ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «CIA»، العملية بأنها «الأكثر إثارة للإعجاب في تاريخ عمليات سلسلة الإمداد الاستخبارية الحديث، وربما في التاريخ كله». وبالنسبة إلى عملية بهذا الحجم، كان استهداف هذا العدد الكبير من عناصر حزب الله، مع إيقاع عدد قليل جداً من الضحايا الآخرين، أمراً غير مسبوق من حيث الدقة. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «عادةً ما كان الأشخاص الذين يحملون أجهزة النداء من أصحاب المناصب المهمة، ومواقع القيادة والسيطرة. ولهذا السبب كانوا بحاجة إلى أجهزة النداء». وفي اليوم التالي، وبينما كان حزب الله يحاول استعادة توازنه والانتقال إلى وسيلة أخرى للاتصال، وقعت موجة مماثلة من الانفجارات في أجهزة اللاسلكي والهواتف المحمولة وأجهزة أخرى، ما أدى إلى إصابة نحو 500 عنصر آخر من عناصر التنظيم. شكلت العملية انقلاباً بالنسبة إلى حزب الله، الذي كان، قبل يوم واحد فقط، يرى نفسه متمتعاً بقدر كبير من الحصانة بفضل حجم ترسانته الصاروخية، ويعتقد أنه نجح في ردع إسرائيل. وفي مقر الموساد في تل أبيب، كان التوتر في ذروته قبل عشر دقائق من الموعد المحدد لانفجار أجهزة النداء. وفي غرفة العمليات المتطورة التابعة للجهاز، كانت شاشات البلازما تنتظر بث صور الأقمار الصناعية لتقديم تحديثات مباشرة من الميدان. وكان فشل العملية سيشكل ضربة قوية للثقة بالموساد، بعدما استُثمرت فيها أموال طائلة وسنوات طويلة من العمل وتوقعات كبيرة. وكان أي خطأ قد يثير مخاوف من أن يقود الأمر إلى حرب تكون الأكثر كلفة لإسرائيل منذ حرب الاستقلال. حتى بعد دقائق من بدء انفجار أجهزة النداء، لم يكن الموساد يعرف مدى نجاح العملية. فلم تكن هناك وسيلة للتتبع عن بُعد لمعرفة ما يجري على الأرض. وكان مدير الموساد دافيد برنياع، المعروف بهدوئه، تحت ضغط كبير. ولم يبدأ عناصر الموساد بالتنفس الصعداء إلا مع وصول تقارير إعلامية عن وقوع انفجارات، ليس في بيروت فحسب، بل أيضاً في مناطق داخل لبنان، وصولاً إلى سهل البقاع، معقل حزب الله. عندها بدا أن العملية تسير وفق المخطط، وأن حزب الله تلقى ضربة قوية. وقال نتنياهو: «كانت لدينا مفاجأة جاهزة. لم يعرفوا ما الذي أصابهم». إسرائيل أبلغت واشنطن... من دون تفاصيل كانت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في حالة صدمة مشابهة لتلك التي أصابت حزب الله. وقال دان شابيرو، نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الشرق الأوسط والسفير الأميركي السابق لدى إسرائيل في عهد الرئيس باراك أوباما، إن واشنطن تلقت صباح 17 أيلول طلباً لإجراء «مكالمة هاتفية عاجلة». وأوضح شابيرو أن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت أبلغ وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بأن إسرائيل تمتلك «قدرة خاصة» تستعد لاستخدامها في لبنان. لكنه كان غامضاً بشأن طبيعة هذه القدرة أو كيفية عملها، مكتفياً بإبلاغ أوستن مسبقاً بأن إسرائيل ستستخدمها. وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى مقرّب من نتنياهو في اليوم نفسه: «كان هدف الولايات المتحدة منذ البداية هو خفض التصعيد. أما هدفنا فهو الفوز في الحرب». وأضاف شابيرو أن غالانت، حتى اللحظة الأخيرة، شعر بأنه مضطر إلى حجب جميع التفاصيل. وقال: «عندما انتهت المكالمة، كنا لا نزال في حالة ارتباك شديدة بشأن ما كان يصفه لنا». وبعد أقل من 30 دقيقة، بدأت التقارير تظهر على شبكة CNN وغيرها من القنوات التلفزيون