يواجه لبنان حقيقة قاسية: لا يمكن للبلد أن يدّعي تمتّعه بسيادة كاملة ما دام حزب الله يحتفظ بقوة عسكرية مستقلة قادرة على تحديد متى يخوض لبنان الحرب، ومتى يصعّد، ومتى يرفض الدبلوماسية. فالدولة التي لا تستطيع السيطرة على السلاح الموجود على أراضيها لا تستطيع، فعليًا، أن تتحكم بمصيرها. على مدى سنوات، برّر حزب الله ترسانته العسكرية بالقول إنه وحده قادر على الدفاع عن لبنان. لكن النتائج تكشف فشل هذا الطرح. لقد بنى حزب الله دولة داخل الدولة، محتفظًا بالأسلحة والأنفاق والمواقع العسكرية وهياكل القيادة وأجندة استراتيجية تعمل خارج نطاق السلطة الكاملة للحكومة اللبنانية. ويُطلب من الشعب اللبناني مرارًا أن يدفع ثمن قرارات لم يتخذها. عندما يصعّد حزب الله، يدفع المدنيون اللبنانيون الثمن. وعندما يبني حزب الله بنية عسكرية داخل المجتمعات اللبنانية، تتحول هذه المجتمعات إلى أهداف. وعندما يختار حزب الله المواجهة، يتحمل الاقتصاد اللبناني والبنية التحتية والأمن والمكانة الدولية للبلاد تبعات ذلك. واليوم، أصبحت التداعيات العسكرية أكثر صعوبة في إخفائها. إن فقدان السيطرة على المنطقة المحيطة بمرتفعات علي الطاهر ذات الأهمية الاستراتيجية يشكّل رمزًا صارخًا لفشل الوعد الذي قطعه حزب الله بحماية لبنان. فالمرتفعات، التي تشرف على منطقة النبطية وترتبط بطرق مهمة في جنوب لبنان، كانت من أكثر المواقع الاستراتيجية المتنازع عليها في هذا الصراع. وقد أعلنت إسرائيل في سبتمبر أنها فرضت سيطرة عملياتية على المنطقة، بعد مواجهات مع مواقع حزب الله وبنيته التحتية تحت الأرض. بالنسبة إلى حزب الله، يفترض أن تكون هذه لحظة لمراجعة الحسابات. فالتنظيم الذي يدّعي أنه المدافع عن الأراضي اللبنانية شاهد أحد معاقله الاستراتيجية المهمة يتحول إلى ساحة للمعركة. فالأرض التي ادّعى حزب الله أنه يحميها تحولت، بدلًا من ذلك، إلى دليل إضافي على مدى محدودية سيطرة لبنان الفعلية على بيئته الأمنية. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجنّبه: *من المسؤول فعليًا عن الدفاع عن لبنان — الدولة اللبنانية أم حزب الله؟* لا يمكن أن يكون هناك جيشان يمتلكان أجندتين استراتيجيتين مختلفتين. ولا يمكن أن تكون هناك سلطتان تقرران الحرب والسلام. ولا يمكن أن تكون هناك حكومة تتحمل مسؤولية إدارة لبنان، فيما يحدد تنظيم مسلح آخر ما يحدث على الأرض. على لبنان أن يتوقف عن الخلط بين القوة العسكرية والسيادة. السيادة الحقيقية تعني أن المؤسسات اللبنانية تسيطر على الأراضي اللبنانية. وتعني أن الجيش اللبناني هو القوة الوطنية الشرعية. وتعني أن الحكومة اللبنانية — وليس حزب الله، ولا إيران، ولا أي قوة أجنبية — هي التي تقرر ما إذا كان لبنان سيدخل الحرب. قد تكون لإيران مصالح استراتيجية في المنطقة. وقد يمتلك حزب الله أيديولوجيته الخاصة وأهدافه العسكرية. لكن لا يحق لأي منهما التضحية بلبنان من أجل تلك المصالح. ويستحق الشعب اللبناني شيئًا فشل حزب الله مرارًا في توفيره: لبنان لا يحتاج إلى ميليشيا تتظاهر بأنها دولة. بل يحتاج إلى دولة قوية بما يكفي لتكون دولة فعلًا. لذلك، فإن الخطوة الأولى نحو إعادة بناء لبنان ليست سلاحًا جديدًا، ولا نفقًا جديدًا، ولا وعدًا جديدًا بالمقاومة. دولة واحدة. جيش واحد. حكومة واحدة. قرار واحد بشأن الحرب والسلام.*