لكنّ الفارق الجوهري اليوم لا يرتبط فقط بشكل التفاوض، بل بالظروف التي تحيط به وبالهدف الذي يفترض أن يحكمه. فمعظم المحطات السابقة جرت بصورة غير مباشرة، عبر الأمم المتحدة أو وسطاء دوليين أو لجان تقنية، فيما لم يشهد لبنان تفاوضاً رسمياً مباشراً مع الاحتلال الإسرائيلي بهذا المستوى سوى مرة واحدة، في اتفاق 17 أيار/مايو 1983. ومن هنا، فإنّ أي مسار تفاوضي في عام 2026 يستدعي استحضار تجربة «17 أيار» بكل ما حملته من تداعيات، مع التأكيد على أنّ حماية السيادة اللبنانية لا يمكن أن تكون منفصلة عن موازين القوى التي فرضها صمود لبنان ومقاومته في مواجهة الاحتلال. من الهدنة إلى ترسيم الحدود... مسارات تفاوضية لم تُسقط حق المقاومة بدأ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل مع اتفاقية الهدنة عام 1949، التي وُقّعت في رأس الناقورة بعد حرب 1948 ومشاركة الجيش اللبناني في معركة المالكية، وأرست وقف الأعمال العدائية واعتماد خط الهدنة على أساس الحدود الدولية، إلى جانب إنشاء لجنة مشتركة برعاية الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين، بقيت معظم الصيغ اللاحقة، باستثناء اتفاق 17 أيار 1983، ضمن إطار التفاوض غير المباشر أو التقني. ففي نيسان/أبريل 1996، أفضت عملية «عناقيد الغضب» والمجزرة الإسرائيلية في قانا إلى «تفاهم نيسان»، الذي نص على عدم استهداف المدنيين، وأسس لجنة مراقبة ضمت لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وسوريا، وأسهم في احتواء التصعيد وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة عام 2000، بعد سنوات من المقاومة التي أجبرت الاحتلال على دفع ثمن بقائه. وبعد عدوان تموز/يوليو 2006، شكّل القرار 1701 الإطار الدولي الناظم للوضع على الحدود الجنوبية، مع وقف الأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني وتعزيز مهمة «يونيفيل». إلا أنّ التجربة اللاحقة أظهرت أنّ القرارات الدولية وحدها لم تكن كافية لردع الاعتداءات الإسرائيلية أو منع الخروقات، في ظل استمرار الاحتلال في انتهاك السيادة اللبنانية. وفي عام 2022، خاض لبنان مفاوضات غير مباشرة بوساطة أميركية لترسيم الحدود البحرية، انتهت باعتماد الخط 23 وتثبيت حقه في استثمار حقل قانا، في تجربة عكست إمكان إدارة الملفات التقنية من دون تحويلها إلى مسار تطبيع سياسي مع الاحتلال. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أفضى التصعيد الحدودي إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بقي هشاً أمام الخروقات الإسرائيلية المتكررة، مع نصوص تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من بعض النقاط وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني ومنع الأعمال العدائية. غير أنّ استمرار الاعتداءات والاحتلال لبعض المواقع اللبنانية أبقى الحاجة قائمة إلى آلية أكثر فاعلية تضمن وقف النار وتحمي الأرض والسيادة. «الميكانيزم»... التفاوض تحت سقف السيادة وحق الردع في هذا السياق، برز عام 2025 مصطلح «الميكانيزم» بوصفه إطاراً عملياً لتثبيت وقف النار ومعالجة الخروقات. وتشمل الصيغة المطروحة لجنة خماسية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة، إلى جانب آليات رقابة تقنية وميدانية. ويتمسك لبنان بأن يكون الجيش اللبناني الجهة المخولة تنفيذ أي ترتيبات داخل الأراضي اللبنانية، مع رفض تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة مفتوحة أمام الاحتلال أو منحه أي هامش حركة ميداني يمسّ بالسيادة الوطنية. وهنا تكمن المسألة الأساسية: فالتفاوض، مهما كان شكله، لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لفرض شروط إسرائيلية أو تكريس وقائع الاحتلال. وفي المقابل، فإنّ أي مسار يحفظ الأرض ويوقف الاعتداءات ويصون حق لبنان في الدفاع عن نفسه يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية فرضتها التجربة: قوة الردع اللبنانية، وفي مقدمتها المقاومة، شكّلت عاملاً أساسياً في منع الاحتلال من فرض إرادته على لبنان. وبخلاف الهدنة وتفاهم نيسان وترسيم الحدود البحرية، التي جرت في معظمها بصيغ غير مباشرة أو تقنية، فإن اجتماعات 2026 تحمل طابعاً مباشراً أو شبه مباشر، ما يجعلها ثاني اختبار تفاوضي مباشر بعد «17 أيار»، لكن في بيئة مختلفة فرضتها سنوات من المواجهة والصمود اللبناني. المرة الثانية بعد 1983... ولكن بظروف مختلفة يقول النائب السابق فارس سعيد إنّ «ما يجري اليوم يُعدّ المرة الثانية التي تدخل فيها الجمهورية اللبنانية في تفاوض رسمي مباشر مع إسرائيل»، بعد التجربة الأولى التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين استكمل الرئيس أمين الجميل مسار التفاوض بهدف تأمين الانسحاب الإسرائيلي والتوصل إلى تفاهم مع الجانب الإسرائيلي. ويشير سعيد إلى الاختلاف الكبير بين ظروف عام 1983 وظروف اليوم، لافتاً إلى حجم العراقيل التي أحاطت آنذاك باتفاق 17 أيار، في ظل الحرب الباردة والمواقف الإقليمية والدولية المتعارضة، فضلاً عن الرفض الشعبي والسياسي الواسع للاتفاق الذي