اللبناني لا يعرف كيف يخسر إلا بلغة المنتصرين. ثمة دائماً، بين الركام، تفصيل صغير نلتقطه كي لا نرى الصورة كاملة. تسمية الهزيمة أكثر قسوة علينا من الهزيمة نفسها. نصنع رواياتنا، كي نحتمي من فهم ما جرى. تنجح الرواية في أداء هذه المهمة، فيصبح السؤال عن النتيجة ثقيلاً، وأحياناً جارحاً، كأن الوقائع نفسها تسيء إلينا لأنها لا تنسجم مع الصورة التي اخترناها لأنفسنا. فنعيد ترتيب معايير النجاح كلما خذلنا الواقع. نبدّل المقياس بدلاً من أن نراجع الطريق، وننقل الانتصار من النتيجة إلى النية، ومن القدرة إلى الإرادة. وكلما ضاقت مساحة الإنجاز والواقع، اتسعت مساحة الانتصار في الحكاية. لهذا، نعيش في بلد يخسر على مهل، فيما نتكلم عنه كما لو أنه ينتصر باستمرار. يكفي أن نصغي إلى خطابات الجماعات السياسية في لبنان كي يبدو البلد مثقلاً بانتصارات لا تنتهي: الجميع صمد، الجميع حمى جماعته، الجميع ردع، الجميع منع الأسوأ. ثم نرفع أعيننا قليلاً عن الكلام إلى الحياة، فنجد دولة تتراجع قدرتها على القرار، واقتصاداً يفقد وظائفه ومعناه، ومجتمعاً يدفع أبناءه إلى الخارج، ومواطنين تعلّموا أن يرتبوا أيامهم على افتراض أن الدولة لن تأتي. فكلما ازدادت لغة القوة، ازداد شعور الناس بأنهم متروكون. وكلما تكاثرت البطولات في الخطب، بدا البلد أقل قدرة على حماية أبسط شروط الحياة. وثمة لحظة لا تعود فيها اللغة قادرة على ستر المسافة بين ما نقوله وما نعيشه، بل تتحول هي نفسها إلى دليل عليها. فالهزيمة التي لا يُعترف بها لا تنتهي بانتهاء لحظتها. تبقى كامنة في القرار الذي يليها. ربما من هنا جاءت براعتنا الغريبة في الصمود. لبنان يصمد أمام كل شيء تقريباً، لكنه نادراً ما يخرج من شيء. يصمد أمام الحرب ثم يعود إلى الشروط التي جعلتها ممكنة. يصمد أمام الانهيار من دون أن يمسّ البنية التي أنتجته. يصمد أمام غياب الدولة حتى تصبح الحياة من دونها مهارة لبنانية نتباهى بها. نقول إنَّ اللبناني ينهض بعد كل سقوط، لكننا لا نسأل كثيراً لماذا يسقط، في كل مرة، في الحفرة نفسها. ولعل هذا هو السؤال الذي نخافه أكثر من السقوط نفسه. فنحن لا نسأل كيف نمنع الحرب المقبلة بقدر ما نسأل كيف سنروي الحرب الماضية. لا نحاكم القرار بما أنتجه، بل بما كان يقصده. ولا نقيس السياسة بقدرتها على تغيير شروط حياتنا، بل بقدرتها على منح ما حدث معنى يمكن احتماله. غير أن السياسة، في معناها الأعمق، تبدأ حين يشعر الإنسان بأن الواقع ليس قدراً مغلقاً، وأن بين ما يختاره وما سيحدث له صلة ما. أما حين تتكرر النتائج نفسها فيما تبقى الخيارات نفسها، فنحن لا نكون أمام فشل سياسي فحسب، بل أمام ما يشبه مجتمعاً "ما قبل السياسة"؛ مجتمعاً يعيش الوقائع أكثر مما يصنعها، ويتكيف مع نتائجها أكثر مما يتدخل في أسبابها. وحين يفقد الإنسان اعتقاده بأن فعله قادر على تعديل النتيجة، تبدأ السياسة بالموت، حتى لو بقي السياسيون. لهذا، الاعتراف بالهزيمة شرط لاستعادة السياسة، لأن الإنسان لا يستطيع تغيير ما يرفض أن يسميه. والمجتمع الذي لا يعرف أين خسر ولماذا خسر، لن يعرف من أين يبدأ، ولا أي طريق ينبغي أن يتركه وراءه. لكننا نفعل العكس. كلما اتسعت المسافة بين الرواية والواقع، صنعنا رواية أكبر كي نردمها. حتى أصبحنا بلداً مثقلاً بانتصاراته؛ يخرج من كل حفرة معلناً نجاته، ثم يمضي إلى الحفرة نفسها.