تستثيرُ أحداث النبطية ومجازرها الحاصلة اليوم مشاعر الحنين إليها. لكن الحنين والحزن ليسا المشاعر التي أميل إليها حين أفكر في المدينة. ربما يعود ذلك إلى تكويني الذي يميلُ إلى تجاهل كلّ ما يزعجني. تعني لنا النبطية الكثير، وربما كانت تعني لجيل أقدم منا أكثر مما تعنيه لنا، لأن الظروف كانت مختلفة تماماً. لم تكن هناك مدارس تكميلية في معظم المناطق، وكانت المدرسة التكميلية محصورة في النبطية. ولم تكن هناك ثانوية في الجنوب كله تقريباً، وكانت أول ثانوية في النبطية، وكان أهالي بنت جبيل يرسلون أبناءهم إليها للتعلم. أيضاً أهالي إقليم التفاح وطلابه ينزلون إلى النبطية بعد أن يحصلوا على "السيرتيفيكا" ليتابعوا دراستهم فيها. ومن الأساتذة الذين ظلوا على كل شفة ولسان أستاذ اسمه أرعش، وكان أستاذاً للرياضيات وأحد العباقرة الكبار في زمانه. وربما كان في تلك المرحلة أيضاً السيد نور الدين بدر الدين، الشاعر الذي ينتمي إلى جيل السيد جعفر الأمين، وابن السيد محمد حسن الأمين. حين نقول النبطية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو السوق، سوق النبطية الشهير. وإذا مشينا في النبطية القديمة، فإننا نبدأ من عند عيادة الدكتور علي بدر الدين، التي كانت قلب النبطية العتيق، وقد دُمّر مبناها القديم الآن. ومن هناك نمشي باتجاه القبلة، إلى المنطقة التي كانت البلدية قد سقّفتها وجدّدتها، لكنها دُمّرت هي الأخرى. هناك كان قلب المدينة. كانت النبطية بسيطة، بيوتاً ذات أسقف عالية، من دون أبنية كثيرة، وشوارع ضيقة، لكنها كانت مملوءة بالحياة. النبطية مدينة صغيرة نسبياً من حيث المساحة. لكنها كانت مقصداً جارياً لأهل الجنوب جميعاً، يأتي إليها الناس للتجارة والتسوق، ولذلك كانت النبطية في النهاية مدينة حياة. وما كان يميزها عن سائر مدن الجنوب هو سوق الاثنين. كانت الساحة القديمة، التي نسمّيها اليوم الميدان، تتحول يوم الاثنين إلى مساحة هائلة من الحركة. يوم الاثنين كان يوم الحياة، يوم الضجيج والزحام والبيع والشراء، يوم السوق. كان يأتي إلى سوق النبطية معظم الناس من الفلاحين والمزارعين، من القرى المحيطة كلها، وأحياناً من مناطق أبعد، من بنت جبيل ومرجعيون والزهراني، وكذلك من حاصبيا والهبارية وغيرها. كانوا يأتون لبيع منتجاتهم وللتسوق، وكانت غالبية رواد السوق من الطبقة الفقيرة والمسحوقة، فالإنسان الميسور كان يذهب إلى المتاجر والأسواق الحديثة، أما سوق النبطية فكان سوق الناس العاديين، والفلاحين، والمزارعين، وأبناء القرى. يُباع في السوق كل شيء تقريباً. الثياب النوفوتيه، والخضار، والكعك، والحبوب، والحلويات، سواء على العربات أو في المحال، وكل ما يمكن أن يخطر في البال. في موسم الزيتون كان أهل حاصبيا يأتون ويبسطون منتجاتهم في السوق، وفي موسم التين كان يأتي أهل الهبارية وحاصبيا، وهكذا كان السوق مساحة تتجمع فيها منتجات الجنوب وأهله. وكان يمكن للإنسان أن يشم في السوق قبل أن يرى الأشياء، وكانت رائحة الفلافل من أكثر الروائح التي تستوقف المارة. وكان يسمع الباعة وهم ينادون على بضائعهم، كل واحد منهم يحاول تسويق ما لديه، ويشاهدهم وهم يعرضون منتجاتهم، لكن رائحة الفلافل كانت بالنسبة إلى بعض أبناء النبطية والزائرين أكثر ما يشدهم إلى هذه التظاهرة. في النبطية كان لتجار السوق القدامى حضورهم الخاص، ومنهم رجل كان يبيع الحبوب في موقع يرتبط بكفرتبنيت، وكان يُقال له الزبديني، ولا تُستعاد في الذاكرة تفاصيل اسمه الأول، وكذلك الزيباوي الذي كان يملك محلاً، وعبد الكريم الصباغ، والشيخ أمين قماح، أو الحاج أمين قماح، وأخوه جابر قماح، وهما من كفرصير وكانا يملكان دكاكين في النبطية ويبيعان فيها أشياء مختلفة، وكانت دكانة أمين قماح من أشهر الدكاكين. الحياة بعد الغروب في النبطية تختلف بحسب الموسم والمناسبة. ففي رمضان كانت الحركة حيوية جداً، وكذلك في فترات الأعياد، بينما كانت تخف في الأيام العادية قياساً إلى حركة النهار. وكان الناس يلتقون ويجلسون في الساحات، في ساحة النبطية وفي الميدان، وكذلك في بيوت الوجهاء على اختلاف انتماءاتهم. ومن أشهر المقاهي التي يتذكرها أبناء تلك المرحلة قهوة حسن زينو، حيث كان الناس يتجمعون. وكان أهل النبطية يعرف بعضهم بعضاً واحداً واحداً، وكانت بينهم ألفة وعلاقات قوية تشبه علاقات أبناء القرى، لأن المدينة كانت صغيرة نسبياً، والحياة فيها كانت تقوم على المعرفة المباشرة والتواصل اليومي. النبطية أيضاً مدينة علم وثقافة. ومن الوجوه الثقافية التي تُستعاد في الذاكرة الشيخ أحمد ظاهر، ومن الشعراء المعروفين في تاريخها الشيخ أحمد رضا ومحمد جابر آل صفا. وكان الشيخ عبد الحسين نور الدين من النبطية الفوقا، وهو عالم دين كبير، لكن أبناء المدينة يميزون عادة بين علماء الدين وبين المثقفين والشعراء، لأن لعلماء الدين وضعاً خاصاً في تار