لم يعد الفضاء شأناً علمياً بعيداً من تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح جزءاً من الاقتصاد والأمن والاتصالات والزراعة والنقل وحتى الطب. في هذا الحوار مع "النهار"، تتحدث السفيرة أمال مدللي، منسقة مبادرة الفضاء العربية في المجلس الوطني للعلاقات الأميركية – العربية، عن صعود اقتصاد الفضاء عربياً، وأهمية التعاون الأميركي–العربي، والتحديات التي يفرضها ازدحام الأقمار الصناعية والنفايات الفضائية وغياب إطار دولي ملزم، فضلاً عن اشتداد التنافس الأميركي–الصيني على القمر وموارده. كما تشرح لماذا تملك دول عربية، وفي مقدمها الإمارات والسعودية وعُمان، فرصاً حقيقية في هذا القطاع، ولماذا على لبنان ألا يبقى خارج سباق بات، في رأيها، جزءاً أساسياً من مستقبل الاقتصاد العالمي. *لماذا الفضاء تحديداً؟ ولماذا نحتاج إلى مبادرة للفضاء في العالم العربي؟ ولماذا الآن بالذات؟ -الجواب يبدأ من حقيقة أن الفضاء أصبح جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية. إذا كان لديك هاتف محمول، فأنت تستخدم الفضاء بطريقة أو بأخرى. الاتصالات تعتمد على الأقمار الصناعية، وإذا كنت تقود سيارة وضللت طريقك واستخدمت نظام تحديد المواقع GPS، فأنت أيضاً تعتمد على أقمار صناعية موجودة في الفضاء. الكثير من تفاصيل حياتنا اليومية أصبح مرتبطاً بالفضاء، من دون أن يتنبه الناس دائماً إلى ذلك. ولا تقتصر أهمية الفضاء على هذه الاستخدامات البسيطة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. الاتصالات والملاحة والنقل والتجارة تعتمد بصورة متزايدة على تقنيات الفضاء. في الزراعة مثلاً، تراقب الأقمار الصناعية الأرض وتحدد مناطق الجفاف وتوافر المياه وتوفر معلومات مهمة جداً للمزارعين. وفي التجارة والنقل، تعتمد الشركات الكبرى على الأقمار الصناعية في الاتصالات والملاحة وإدارة عملياتها. كذلك، أصبحت أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة مرتبطة إلى حدٍ كبير بتقنيات الفضاء، سواء في التعليم أو مكافحة الفقر أو الصحة وغيرها. ويقال إن نحو 40 في المئة من أهداف التنمية المستدامة تعتمد، بصورة أو بأخرى، على تطبيقات الفضاء. وهذا يعني أن الدول النامية باتت تعتمد على الفضاء أيضاً، وليس الدول المتقدمة وحدها. إضافة إلى ذلك، يعتمد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة على اقتصاد الفضاء. وفي السنوات الأخيرة برز عنصر جديد بالغ الأهمية، وهو دخول القطاع الخاص بقوة إلى هذا المجال، إذ بدأت الشركات الخاصة تعمل وتستثمر وتتنافس في الفضاء. لكن هناك جانباً آخر أكثر خطورة يرتبط بمستقبل البشرية نفسها، وهو أن الفضاء يتحول تدريجاً إلى مجال عسكري. بعض الدول التي تمتلك قدرات فضائية بات ينظر إلى الفضاء باعتباره مجالاً محتملاً للقتال. وهذا تطور يؤثر في مستقبل السلم والحرب في العالم، ولذلك أصبحت قضية الفضاء أكثر أهمية من أي وقت مضى. صورة نشرتها وكالة الفضاء الإماراتية تظهر كوكب المريخ وقمره ديموس في المقدمة. أقترب مسبار الأمل الإماراتي على بعد 110 كيلومترات من ديموس في مارس 2023 *ولماذا يحتاج العالم العربي تحديداً إلى هذه المبادرة؟ -لأن العالم العربي دخل فعلياً عصر الفضاء. وإذا عدنا إلى التاريخ، فنجد أن العرب كانوا من أوائل الشعوب التي اهتمت بالسماء والنجوم والفلك. وحتى اليوم تحمل نسبة كبيرة من النجوم أسماء عربية. كان علم الفلك جزءاً أساسياً من الحضارتين العربية والإسلامية، ولذلك فإن العودة إلى هذا التاريخ واستئناف الدور العربي في الفضاء أمر مهم جداً. هناك اليوم دول عربية متقدمة في هذا المجال، ولا سيما منها الإمارات والسعودية. لدى الدولتين خطط اقتصادية وتكنولوجية مرتبطة بالفضاء. وحققت الإمارات تقدماً كبيراً وأصبحت من أبرز الدول العربية في هذا القطاع، وكانت أول دولة عربية تصل بمهمة فضائية إلى المريخ من خلال "مسبار الأمل". وفي السعودية يأتي تطوير قطاع الفضاء من ضمن "رؤية 2030". إذن، هناك نشاط عربي متزايد في مجال الفضاء، ويجب تشجيعه. الولايات المتحدة تحتل موقعاً أساسياً في هذا المجال، ولذلك فإن التعاون الأميركي – العربي، المهم أصلاً في مجالات كثيرة، يمكن أن يصبح أكثر أهمية في قطاع الفضاء. أحد أهداف المبادرة هو تشجيع هذا التعاون، ونقل المعرفة والخبرة الأميركية والاستفادة منهما، ليس فقط في الدول العربية التي تمتلك برامج فضائية متقدمة، بل في العالم العربي عموماً. فالفضاء لا يعني فقط إطلاق صاروخ أو إرسال مسبار أو رائد فضاء إلى محطة فضائية. الفضاء مرتبط بالتعليم والإنترنت والاقتصاد والزراعة والصحة وغيرها من المجالات. حتى الدول التي لا تملك بنية فضائية مستقلة تعتمد في حياتها اليومية وفي مسار تنميتها على خدمات تأتي من الفضاء. *هناك طموح دائم للوصول إلى الفضاء، لكن ما أبرز التحديات التي تواجه الدول الطموحة؟ -الفضاء ليس رخيصاً. والتحول إلى دولة فضائية ليس مسألة سهلة، لأنه يتطلب قدر