أحدث الإعلان المفاجئ لوزير العدل عادل نصار عن ختم التحقيقات في جريمة تفجير مرفأ بيروت صدمة كبيرة داخل قصر العدل، بعدما قدّم الوزير محطة قضائية مضى عليها نحو 5 أشهر وكأنها تطور حصل للتو، واضعاً القضاء أمام موقف بالغ الإحراج. وكان نصار قد أعلن أن المحقق العدلي القاضي طارق البيطار ختم تحقيقاته وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها، متوقعاً إنجاز هذه المرحلة خلال تشرين الأول تمهيداً لإصدار القرار الاتهامي. لكن ما أعلنه وزير العدل ليس جديداً. فالبيطار ختم تحقيقاته منذ أواخر آذار الماضي، وأحال الملف، الذي يضم آلاف الصفحات من الاستجوابات والإفادات والمستندات والتقارير الفنية، إلى النيابة العامة التمييزية. وفي حينه، كلّف النائب العام التمييزي السابق القاضي جمال الحجار المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب دراسة الملف وإعداد المطالعة بالأساس، قبل إحالة الحجار إلى التقاعد. وبعد تعيين القاضي أحمد رامي الحاج نائباً عاماً تمييزياً، جرى تثبيت استمرار صعب في المهمة، ومنحه الصلاحيات اللازمة لاستكمال المطالعة وتوقيعها. وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، وقع إعلان نصار كالصاعقة في أوساط قضائية معنية مباشرة بالملف، إذ أثار استغراباً واسعاً من إعادة إعلان واقعة معروفة وموثقة منذ أشهر، وطرح تساؤلات جدية حول المعلومات التي استند إليها الوزير قبل نشر موقفه. وتكشف المعلومات أن وقع الإعلان بلغ حداً دفع إلى البحث جدياً في إصدار توضيح قضائي يعيد وضع الوقائع في نصابها، ويؤكد أن التحقيقات خُتمت منذ آذار وأن الملف موجود منذ ذلك الحين لدى النيابة العامة التمييزية، حيث يتولى القاضي محمد صعب إعداد المطالعة. إلا أن إصدار الرد جرى تداركه في اللحظات الأخيرة، بعدما برز اتجاه إلى عدم إحراج وزير العدل علناً وعدم تحويل القضية إلى سجال مباشر بين الوزارة والقضاء، ولا سيما أن أي توضيح رسمي كان سيكشف أن الوزير أعلن خبراً قديماً بوصفه تطوراً جديداً. غير أن احتواء الموقف لم يبدد الصدمة داخل قصر العدل، بل ضاعف حجم الأسئلة: كيف يمكن للوزير المسؤول سياسياً عن قطاع العدالة ألا يميّز بين ختم التحقيقات الذي حصل منذ أشهر، وبين إنجاز مطالعة النيابة العامة التي لا تزال قيد الإعداد؟ والسؤال الأكثر حساسية يتعلق بتحديد تشرين الأول موعداً متوقعاً لإنجاز المطالعة. فمن أين حصل نصار على هذا الموعد؟ وهل أبلغه القاضي صعب رسمياً بأنه سينهي عمله خلال هذه المهلة؟ أم أن الوزير وضع جدولاً زمنياً لمسار قضائي مستقل من دون الاستناد إلى تطور معلن من الجهة التي تتولى الملف؟ وتؤكد مصادر متابعة أن المطالعة ليست إجراءً شكلياً، بل وثيقة قانونية أساسية ستحدد موقف النيابة العامة من الوقائع والأدلة وتوصيف الجرائم ومسؤولية عشرات المدعى عليهم، بينهم سياسيون وقادة أجهزة أمنية وقضاة وموظفون. كما ستتناول الإشكاليات المرتبطة بالحصانات وبأوضاع المدعى عليهم الذين تُركوا رهن التحقيق أو امتنعوا عن المثول. وإذا كان وزير العدل يقصد الإعلان عن اقتراب إنجاز المطالعة، فقد أخفق في قول ذلك بوضوح. أما إذا كان يعتقد أن ختم التحقيقات وإحالة الملف حصلا الآن، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة من مجرد خطأ في صياغة تغريدة. فإعلان نصار لم يكشف تطوراً جديداً في القضية، بل استنفر قصر العدل، وكاد يدفع القضاء إلى الرد على وزير العدل قبل احتواء الموقف في اللحظات الأخيرة تجنباً لإحراجه. وهكذا، بدل أن يجيب الإعلان عن السؤال الذي ينتظره اللبنانيون منذ سنوات، أي متى يصدر القرار الاتهامي، فرض سؤالاً أكثر إحراجاً: هل يعرف وزير العدل فعلاً أين أصبح ملف المرفأ؟