صعّدت إسرائيل خلال الأيام الثلاثة الماضية عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، في موجة من الغارات والهجمات التي أسفرت، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن مقتل أكثر من 27 شخصاً وإصابة 69 آخرين، في حصيلة أولية. التصعيد لم يقتصر على الضربات الجوية، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة جنديين من وحدة استطلاع غولاني بجروح طفيفة خلال اشتباك مع عنصر من حزب الله في منطقة مرتفعات الشقيف. وقال الجيش إن قواته أطلقت النار على المسلح وقتلته. من تلة علي الطاهر إلى مناطق أوسع الموقع الجغرافي للغارات الأخيرة يثير تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة التي دخلها النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني. فجزء كبير من الضربات تركز في كفررمان والنبطية الفوقا والنبطية التحتا وعربصاليم، وهي مناطق تقع في المحيط الجغرافي لتلة علي الطاهر والمناطق الواقعة إلى ما بعدها، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة إحكام سيطرته على التلة. هذا التطور قد يشير إلى أن إسرائيل لا تكتفي بإدارة التهديدات داخل نطاق انتشارها الحالي، وإنما تسعى إلى فرض واقع أمني أكثر عمقاً داخل الجنوب اللبناني. وكانت هيئة البث الإسرائيلية قد أفادت بأن الجيش يدرس إقامة حزام أمني جديد أقرب إلى الحدود، بعمق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات، ضمن ما وصفته بـ"الخط الرمادي". لكن التحركات الأخيرة على الأرض تفتح احتمالاً آخر: سياسة تقوم على توسيع نطاق النشاط العسكري تدريجياً، من دون الإعلان عن إنشاء منطقة أمنية جديدة بصورة رسمية. الطائرات المسيّرة في قلب التصعيد إسرائيل تبرر موجة الهجمات الأخيرة بما تصفه بخرق حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار، ولا سيما إطلاق طائرات مسيّرة باتجاه القوات الإسرائيلية. وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أن حزب الله أطلق للمرة الثالثة خلال أسبوع طائرتين مسيّرتين مفخختين باتجاه قوات تعمل في منطقة تلة علي الطاهر. وقال إن الطائرتين لم تتسببا في إصابات، لكنه رد بضرب بنى تحتية تابعة للحزب في عدد من مناطق الجنوب، بينها مستودع أسلحة. في المقابل، لم يعلن حزب الله رسمياً، منذ وقف إطلاق النار، عن سلسلة عمليات عسكرية كتلك التي كان يعلن عنها سابقاً. وكان آخر بيان رسمي أعلن فيه الحزب تنفيذ عملية ضد الجيش الإسرائيلي في 19 تموز/يوليو. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الطائرات المسيّرة أصبحت إحدى الأدوات المستخدمة في محاولة منع القوات الإسرائيلية من التقدم إلى مناطق جديدة، فيما ترد إسرائيل بضربات جوية تستهدف مواقع وبنى تحتية تابعة للحزب. في بيروت، اعتبر الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الغارات الإسرائيلية المتجددة على النبطية وبلداتها تمثل "تصعيداً خطيراً"، مؤكداً أنها تتجاوز، بحسب قوله، الخروقات المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية والاتفاق الإطاري الموقع بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو الماضي. وقال عون إن الضربات طالت أيضاً مؤسسات ومرافق تابعة للدولة اللبنانية، داعياً الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى التدخل لوقف التصعيد ومحاسبة المسؤولين عنه. وفي السياق نفسه، أعلن الرئيس اللبناني أنه سيزور باريس الأسبوع المقبل للمشاركة، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في افتتاح اجتماع تحضيري لمؤتمر دولي مخصص لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. ومن المتوقع أن يبحث عون وماكرون أيضاً مستقبل القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، إذ أكد الرئيس اللبناني دعم بيروت لتجديد مهمة قوات اليونيفيل، مشيراً إلى العمل على تسهيل ذلك. كما رحب عون بالمبادرة الفرنسية-الإيطالية المتعلقة بتشكيل قوة أوروبية يمكن أن تضطلع بدور في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. التصعيد العسكري يأتي في وقت لم تحقق فيه جولات التفاوض بين لبنان وإسرائيل، التي جرت في واشنطن وروما، اختراقاً واضحاً يؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق النار أو وضع حد للهجمات المتبادلة. وهنا تبرز معضلة المرحلة الحالية: المسار السياسي لم ينجح حتى الآن في تثبيت ترتيبات أمنية مستقرة، بينما تواصل إسرائيل العمل عسكرياً لمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته أو الاقتراب من المناطق التي تعتبرها حساسة لأمنها. النتيجة هي واقع ميداني يتغير تدريجياً، من دون أن يصل الطرفان إلى حرب شاملة. ما يجري في جنوب لبنان قد يعكس محاولة إسرائيلية لإقامة معادلة جديدة: نشاط عسكري مستمر ومحدود، يستهدف منع حزب الله من ترميم قدراته أو الاقتراب من القوات الإسرائيلية، بالتوازي مع تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة. هذه السياسة تسمح لإسرائيل بالضغط عسكرياً على الحزب وتغيير الواقع الميداني تدريجياً، لكنها تحمل في الوقت نفسه خطر توسع دائرة المواجهة، خصوصاً إذا استمرت الضربات وسقط المزيد من الضحايا أو تعرضت القوات الإسرائيلية لخسائر أكبر. وفي الخلفية، تبدو الولايات المتحدة غير معنية، في المرحلة الحالي