تمضي إسرائيل في تصعيدها العسكري العنيف على جبهة الجنوب. ويتجلى ذلك بغارات وتفجيرات ضخمة متلاحقة في القطاعين الأوسط والشرقي. وبهذا التصعيد ارتفعت حصيلة الضحايا في الأيام الثلاثة الماضية إلى 27 شهيداً و69 جريحاً، ليصل الرقم الإجمالي منذ تشرين الأول 2023 إلى 8948 شهيداً و30638 جريحاً. ويبدو نهج إسرائيل اليوم في الضغط على النبطية هو نفسه الذي اعتمدته للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر. أي إن تحركاتها توحي بعزمها على استخدام هذه المرتفعات منصة للإطباق الناري على المدينة ومحيطها. وتتوزع عمليات إسرائيل بين التفجيرات الكبرى التي تعصف بقرى بأكملها مثل بني حيان، كفرتبنيت، والمنصوري، حيث يجري استخدام براميل المتفجرات. وكذلك، تدمير المنشآت المدنية، كما حدث في مدينة الملاهي بين زوطر الشرقية وكفرتبنيت. وقد طاولت إنذارات الإخلاء مباني سكنية في دير الزهراني. وتعرضت سيارة لمسعفي كشافة الرسالة الإسلامية للاستهداف في كفررمان. ونفذت إسرائيل ضربات مكثفة على عربصاليم والريحان وبيوت السياد ووادي السلوقي، ما يظهر رغبة جامحة في السيطرة والتفريغ الديموغرافي لهذه المناطق، وقطع شريان الإمداد باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان، وفرض واقع جغرافي جديد، ربما قبل انطلاق أي جولة تفاوضية مرتقبة في روما. توظيف "الخروقات" لتوسيع "الحزام" في مقابل هذا التوسع العسكري، تقوم تل أبيب بترويج خطاب "الرد على الانتهاكات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار". وأعلنت أمس عن وقوع اشتباك مباشر من مسافة قريبة داخل منطقة الشقيف بين قوة إسرائيلية وعنصر من حزب الله أسفر عن مقتله وإصابة جنديين إسرائيليين، لتبدأ بعدها موجة غارات مكثفة استهدفت المنطقة. وكان الجيش الإسرائيلي اعتبر أن استهداف قواته بمسيرتين مفخختين في مرتفعات علي الطاهر، واستهداف آلية هندسية بعبوة ناسفة مزروعة سابقاً، إضافة إلى إطلاق النار على عناصره في الشقيف، تشكل خروقات متتالية وخطيرة للاتفاق. واتهمت وزارة الخارجية الإسرائيلية حزب الله باستغلال الفترات الماضية لإعادة بناء قدراته العسكرية، وتخزين الأسلحة، وإنشاء مراكز قيادة داخل المناطق المدنية، مؤكدة أن هذه النشاطات "لن تُقبل وسيتصدى لها الجيش بقوة". وتوظف تل أبيب ما أمكنها من الذرائع للقفز فوق اتفاق الإطار، واستخدام الضغط بالنار وفرض حزام أمني أوسع. الموقف الرسمي: "ما بعد اليونيفيل" أمام هذا التداعي الميداني، شجب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون التصعيد العسكري، متسائلاً: "هل تريد إسرائيل السلام أم الحرب؟"، وأكد أن تدمير مبانٍ بكاملها واستهداف العائلات والأطفال، حيث سقط أكثر من 253 طفلاً، هي جرائم تقوض اتفاق الإطار والمسار الدبلوماسي الذي يتمسك به لبنان كخيار أساسي لإنهاء العدوان. وفي محاولة استباقية لترتيب الأوضاع الأمنية والميدانية في المرحلة المقبلة⅖، أعلن الرئيس عون خلال استقباله وزير العدل الفرنسي عن ترحيب لبنان بالمبادرة الفرنسية- الإيطالية لتشكيل قوة أوروبية تملأ الفراغ العسكري والأمني المرتقب عقب انتهاء مهام "اليونيفيل" بنهاية عام 2026. وأكد عون سعيه للتنسيق مع باريس لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بما يضمن بسط السلطة الشرعية وسحب الذرائع التي تستغلها إسرائيل لمواصلة اعتداءاتها. الدبلوماسية العربية في القاهرة بالتوازي مع الحراك الداخلي، انتقلت ملفات الأزمة إلى أروقة الجامعة العربية في القاهرة خلال أعمال الدورة 166 لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية. وأكد وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي على الحاجة الماسة إلى حضور ودعم دولي متجدد تحت مظلة الأمم المتحدة، متمسكاً بالقرار 1701 واتفاق الهدنة كمرجعية رئيسية لبسط سيادة الدولة بقواها الذاتية حصراً. وقدم لبنان مشروع قرار للمجلس الوزاري العربي يرسخ الثوابت السياسية والأمنية للعهد الحالي، ويتضمن حصرية السلاح والتصدي للأنشطة العسكرية، والتشديد على قرار الحكومة اللبنانية الصادر في 2 آذار 2026 القاضي بالحظر الفوري لكافة النشاطات الأمنية والعسكرية لحزب الله واعتبارها خارجة عن القانون، مع إلزامه بتسليم سلاحه والدخول في العمل السياسي الدستوري حصراً. وفي المقابل، إدانة الاحتلال والانسحاب الكامل، والمطالبة بالوقف الفوري للاعتداءات الإسرائيلية، وإلزام قوات الاحتلال بالانسحاب إلى ما وراء الحدود الدولية المعترف بها، ووقف العمليات التي تطال المدنيين والبنى التحتية. ثم دعم المساعي الدبلوماسية اللبنانية برعاية أمريكية ودولية لإنشاء آلية معززة لتطبيق القرار 1701، وتأمين الدعم الاقتصادي لإعادة إعمار المناطق المتضررة وعودة النازحين إلى قراهم. وتظهر هذه المجريات أن الجنوب اللبناني بات واقعاً بين فكي الكباش الميداني والدبلوماسي، حيث تجهد إسرائيل لاستغلال تفوقها العسكري من أجل إسقاط النبطية وفرض