أثبت اللبناني أنّه قادر على النّجاح والإبداع أينما وجد، وبرز في المجالات المختلفة، من الطب والهندسة والاقتصاد والتّعليم إلى الثقافة والفنون وريادة الأعمال، بما يملكه من كفاءة وإبداع وقدرة على التميّز.ولبنان غنيّ بمقوّماته وطاقاته، بثقافته وتنوّعه وتراثه وجماله، ويملك من الإمكانات ما يؤهله ليكون بلداً متقدّماً وحيوياً، وقادراً على استعادة دوره وحضوره. إلّا أنه عاش عقوداً من الحروب والانقسامات والطّائفية والفساد والزّبائنية والأزمات… أنهكت مؤسساته واستنزفت طاقاته، وأثّرت في مجتمعه وحياة أبنائه، فتراجع دوره وتعثّرت مسيرته رغم ما يملكه من إمكانات.ومن نتائج هذه الأزمات الهجرة ونزيف الكفاءات، فغادر كثيرون من اللبنانيين وطنهم، وتوزّعت عائلاتهم بين الداخل والاغتراب، وحملوا معهم خبراتهم وقدراتهم إلى مجتمعات أخرى، فخسر لبنان جزءاً من أهم ثرواته: الإنسان.وفي المجتمعات التي احتضنتهم، نجح اللبنانيون وأبدعوا، ووصل كثيرون منهم إلى مواقع علمية ومهنية واقتصادية وثقافية وسياسية مؤثرة… وأثبتوا حضورهم وقدرتهم على التأثير والتّميّز.عاشوا في دول تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات، واختبروا كيف تؤثر هذه البيئة الاجتماعية والمؤسساتية في حياة الفرد وخياراته ونظرته إلى الدولة والمجتمع، وكيف أن المجتمعات التي تتقدّم، رغم تنوّع مكوّناتها، تجتمع حول المواطنة والقانون والمصلحة العامة.وإذا كان اللبناني قد اختبر قيمة المواطنة، وعرف أثر الدولة والقانون والمؤسسات في حياة الإنسان والمجتمع، وإذا كان قد نجح ووصل إلى مواقع مؤثرة في مختلف أنحاء العالم، فلماذا لا يضع جزءاً من هذه الخبرة في خدمة وطنه، ويساهم في بناء لبنان الذي يستطيع أن يكون من أجمل الأوطان؟وإذا كان الشعب، بحسب الدستور اللبناني، هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، وإذا كان اللبناني يعرف ما الذي يعطّل تقدّم وطنه، ويمتلك الكفاءات والخبرات والقدرة على التّمييز بين ما يعوق نهوضه وما يساعد على تقدّمه، فلماذا لا تتحوّل هذه المعرفة إلى وعي ومشاركة ومحاسبة؟فالدولة لا تُبنى بالمؤسسات وحدها، بل أيضاً بما يتكوّن داخل المجتمع من ثقة وتعاون ومشاركة وشعور بالمسؤولية حيال المصلحة العامة. وكلما استطاع المواطنون أن يتجاوزوا مصالحهم الضّيقة ويعملوا معاً، أصبحت مؤسسات الدولة أكثر قدرة على القيام بدورها.فحين تتوحّد إرادة اللبنانيين حول وطنهم، لا يعود التّنوّع سبباً للانقسام، بل يصبح مصدر غنى وقوة، وتتحوّل الاختلافات إلى مساحة للحوار، ويصبح الانتماء المشترك أساساً لعلاقة أكثر تماسكاً بين أبناء المجتمع. فماذا لو اكتشف اللبنانيون أن ما يجمعهم أكبر بكثير ممّا يفرّقهم؟لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة، وخسروا سنوات وأحلاماً وأحبّة وطاقات، وتفرّقت عائلاتهم بين وطن واغتراب. فكم نحتاج بعد من أزمات وحروب حتى نتعلّم؟ وكم جيلًا آخر يجب أن يغادر؟ وكم روحاً أخرى سيخسر لبنان حتى ندرك أنّ الوطن لا يُبنى بالانتظار، وأن الدولة ليست ترفاً، بل شرط لحماية الإنسان واستقرار المجتمع وصناعة المستقبل؟وماذا لو قرّر اللبنانيون أن يحوّلوا كل ما تعلّموه وخبروه وخسروه إلى نقطة بداية، وأن تلتقي خبرة الدّاخل بخبرة الاغتراب، وأن تتحوّل الكفاءات المتفرّقة إلى قوة جماعية؟عندها يستطيع لبنان أن يستعيد حيويته ودوره، وأن يحوّل تنوّعه وثقافته وتراثه وجماله إلى قوة تجذب العالم، وتفتح أمام أبنائه فرص النّجاح والإبداع في وطنهم.فماذا لو كانت كفاءاتنا هي قوتنا، ووحدتنا هي إرادتنا، ولبنان هو المشروع الذي يجمعنا؟