في إحدى مكتبات العاصمة، تتنقّل "أم شادي" بين الرفوف برفقة أولادها الثلاثة، كلّ منهم يحمل سلّةً امتلأت تدريجياً بالدفاتر والأقلام وسائر المستلزمات المدرسية. فيما تحوّلت الأم إلى ما يُشبه "الآلة الحاسبة" تُدقّق في الأسعار علّها توفّر على جيبها ما يُمكّنها من شراء أكبر قدر من لوازم الدراسة. "خذ هذا الدفتر، أرخص من الثاني"، تقول "أم شادي" لأحد أبنائها، وتشير إلى آخر باختيار الأقلام التي يشملها أحد العروض. أما "البرّاية الملوّنة" التي لفتت نظر ابنها الأصغر، فتطلب منه إعادتها لأنها "مرتفعة الثمن". على مقربة منهم، يتمسّك طفلٌ بشراء بعض القرطاسية التي تتجاوز الميزانية التي وضعها والده، فيما يحاول الأخير بصوت خافت إقناعه بالاكتفاء بما اختاره له. وعند الصندوق، تختصر جملة عابرة حجم قلق الأهالي.. تتوجه إحدى الأمهات إلى ابنها، بينما تنتظر احتساب ثمن مشترياته: "إن شاء الله ما تطلع الفاتورة فوق الـ 100 دولار... ما معي أكتر". ثلاثة مشاهد من مكتبة واحدة، تختصر حال كثير من العائلات مع اقتراب انطلاق العام الدراسي، بعدما تحوّلت فرحة تجهيز الأولاد للعودة إلى مقاعد الدراسة، إلى عبء جديد يُضاف الى أعباء الحياة اليومية في لبنان والتي لا تشبه أعباء غيرها من الحيوات في بلدان أخرى. لا يدخل شهر أيلول على اللبناني حاملاً معه حقيبة المدرسة الممتلئة بثقل الكتب والقرطاسية فقط، فالعائلة التي أمضت الصيف بين فاتورة الكهرباء واشتراك المولد والمياه والطعام وسائر متطلبات المعيشة، تجد نفسها فجأة أمام مجموعة جديدة من الاستحقاقات، أقساط مدرسية، كتب وقرطاسية وزيّ مدرسي وبدل نقل. وتصبح المعادلة أكثر صعوبة عندما يكون في المنزل طفلان أو ثلاثة. فالدولارات الإضافية على أسعار الكتب والقرطاسية، قد لا تبدو رقماً كبيراً بمفردها، لكنها تتحوّل إلى فارقٍ ملموس عندما تتكرّر على عشرات القطع ولأكثر من تلميذ في البيت الواحد. في جولة على أسعار بعض المكتبات، يتراوح سعر بعض الدفاتر بين 2 دولار و8 دولار بحسب الحجم والنوعية وإذا كان وطني أو مستورد، فيما يصل سعر بعض الحقائب الى الـ 90 دولارا. ولا تقف اللائحة عند هذه الحدود لدى طلاب الصفوف الأعلى، إذ تضاف إليها مستلزمات العلوم والرياضيات والآلات الحاسبة، وصولاً في بعض المدارس إلى الألواح أو الأجهزة الإلكترونية. ويزداد هامش الاختيار ضيقاً عندما تفرض بعض المدارس أنواعاً أو أعداداً محددة من المستلزمات، فلا يعود في إمكان الأهل دائماً البحث عن البديل الأرخص أو الاكتفاء بما يرونه ضرورياً. معظم مستلزمات القرطاسية في لبنان مستوردة، فيما تعتمد حتى بعض المنتجات المصنّعة محلياً على مواد أولية مستوردة، ما يجعل أسعارها عرضة للتأثر بكلفة الاستيراد والشحن والرسوم وأي تبدلات تطرأ عليها. وفي مقابل شكاوى الأهالي من ارتفاع الأسعار، قال نقيب المكتبات في لبنان جوزيف طعمة إن أسعار القرطاسية ارتفعت هذا العام بنحو 20 في المئة كحد أقصى، فيما حافظت الكتب الوطنية على أسعارها، ولم تتجاوز الزيادة في أسعار الكتب الأجنبية، نسبة 2 إلى 3 في المئة. لكن داخل المكتبات وعند الصندوق، يتحدث الأهالي عن فاتورة ارتفعت أكثر من هذه النسب. فـ"أم شادي"، دفعت هذا العام نحو 250 دولاراً ثمناً للقرطاسية لأولادها، فيما تؤكد أن المبلغ الذي دفعته في العام الماضي لم يتجاوز 180 دولار. ويشاركها "أبو جاد" الرأي نفسه قائلاً:" إن شراء المستلزمات المدرسية لم يعد قائماً على ما يفضّله الأولاد، بل على البحث عن الأصناف الأرخص، ومحاولة الاستغناء عن كل ما يمكن الاستغناء عنه ويشير إلى أنه يشعر وكأنه في سباق عند البحث عن الكتب المستعملة، التي لم تعد متوافرة بكثرة في المكتبات، إذ تنفد قبل وقت طويل من بدء العام الدراسي، مؤكداً أنه يسارع إلى شرائها قبل شهر من بدء العام الدراسي ومتى سمحت له ظروفه المادية بذلك." لا تظهر الأزمة في قيمة الفاتورة فحسب، بل وصلت لدى البعض إلى طريقة تسديدها. فـ "أبو ربيع"، صاحب مكتبة صغيرة، يعرف معظم أبناء الحي وزبائنه الدائمين. ويقول إنه يحاول قدر استطاعته مراعاة من يعرف أنهم غير قادرين على تسديد ثمن كامل المستلزمات المدرسية دفعة واحدة. لذلك، يسهّل الدفع لبعضهم، فيسدّد الزبون جزءاً من الفاتورة عند شراء القرطاسية، على أن يدفع المبلغ المتبقي في نهاية الشهر. أمام ارتفاع الكلفة، تلجأ عائلات كثيرة إلى تمرير كتب الابن الأكبر إلى الأصغر لتوفير جزء من الفاتورة. لكن "أبو سمير" لم يتمكن من ذلك هذا العام، بعدما اكتشف أن عدداً من كتب ابنه الأكبر لم يعد معتمداً بسبب تغيير الطبعات، وأحياناً أسماء الكتب، ما اضطره إلى شراء نسخ جديدة. وفيما حافظت بعض الكتب الوطنية، ومنها التربية والتاريخ والجغرافيا، على أسعارها، شهدت الكتب الأجنبية ارتفاعاً، لتبقى فاتورة الكتب من أثقل أعباء العودة إلى ا