العفو سيؤدي إلى تبييض ثروات طائلة تم نهبها: هل تخلى الرئيس عن دوره؟ (نزار صاغية) قبل يوميْن، حسم رئيس الجمهوريّة جوزاف عون موقفه بشأن قانون العفو العامّ، من خلال توقيعه (إصداره) ضمن المهلة الدستوريّة (شهر). وهو بذلك وضع حدّا لما كان قد تردّد عن توجّه إلى ردّ القانون أو على الأقلّ الامتناع عن توقيعه، وذلك على خلفيّة ما شابهُ من تزوير وخداع ومخالفات دستوريّة، بلغت أوجّها مع منح عفو ذاتيّ عن 35 سنة من الفساد. وبفعل ذلك، لم يعدْ القانون صنيعة الأيادي الخفيّة في البرلمان وحده، بل أيضًا أحد أهمّ نتاجات العهد (الأصحّ وصماتِه). وقد هرع رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى إعلان تأييده للقانون من دون أن يكون قد حظيَ بأيّ مناقشةٍ داخلها، وذلك من خلال إعلان تقديره لتوقيعه من قبل رئيس الجمهورية. ولئن وصف سلام قانون العفو العام بالقانون "الذي انتظره اللبنانيون طويلا"، أمر بنشره بصورة فورية "في عدد خاصّ في الجريدة الرسمية"، وكأنه القانون النفيس الذي لا يجوز تأخير إنفاذه، ولو لثانية واحدة. وبذلك، حصد القانون بما تضمنه تأييدًا واسعًا من الرؤساء الثلاثة وما يحيط بهم من قوى سياسية وازنة. وقبل إبداء ملاحظاتنا على هذا الحدث، يجدر التّذكير بأنّ المفكرة القانونية قد أصدرت مع مبادرة سياسات الغد بيانًا دعتَا فيه رئيس الجمهورية إلى ردّ القانون وإلا الكتل النيابيّة إلى الطعن به، على خلفية المخالفات الجسيمة التي شابته في الشكل والمضمون وانعكاساته الخطيرة على النظام القانوني للدولة وحقوقها. أول ما نسجّله هو تخلّي رئيس الجمهوريّة عن إحدى أبرز مسؤوليّاته الدستورية، وهي مسؤولية "السهر على احترام الدستور" (م. 49)، وذلك من خلال توقيع قانون العفو العامّ وتاليا إصداره رغم معرفته التامّة بأنّه ينمّ عن انتهاكٍ جسيم للدّستور، ليس فقط لجهة مضمونه بل أيضًا لجهة مسار مناقشته والتزوير الذي طرأ على نصّه بعد التصويت عليه. وهو بذلك تخلّى طوعًا عن ممارسة أيّ من الصلاحيّات التي خوّله إياها الدستور لضمان احترامه: فلا هو ردّ القانون إلى مجلس النواب بموجب مرسوم معلّل بهدف إعادة النظر فيه كليّا أو جزئيّا، ولا هو طعن فيه أمام المجلس الدستوريّ. ولا يفيد دفاعًا عن موقف رئيس الجمهورية، القول أنّ له سلطة التقدير في ممارسة هذه الصلاحيات أو عدم ممارستها وفق لما يراه ملائمًا وذلك لسببين: الأول، أن الصلاحيّات الدستورية المنوطة به (كما بأيّ من سلطات الدولة) ليستْ امتيازات لهُ أن يمارسها أو لا يمارسها وفق ما يرتئيه بل هي صلاحيّات تستمدّ مبرر وجودها من المسؤوليات التي تقع على عاتقه، وهي فيما يعنينا هنا مسؤولية السهر على احترام الدستور؛ والثاني، أن الدستور قد تعمّد ذكر هذه المسؤولية في السهر على احترام الدستور في رأس مسؤوليات رئيس الجمهورية، أي حتى قبل ذكر مسؤوليته في "المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه"، وذلك تأكيدًا على أهميّتها وأولويّتها. إلا أن رئيس الجمهورية اختار تيمّنًا بما فعلته أغلب الكتل النيابيّة، استبدال موجب السّهر على احترام الدستور بغضّ الطّرف عن أحد أخطر مواقع انتهاكه. مخاوف تعطّل رقابة المجلس الدستوري على قانون العفو العام والآن وقد أصدر رئيس الجمهورية القانون، فإنّ الطريقة الوحيدة المتبقيّة لممارسة الرقابة على دستورية القانون، هي اللجوء إلى المجلس الدستوريّ. إلا أنه من المهمّ هنا التنبيه إلى عددٍ من المحاذير التي قد تمنع هذا المجلس من ممارسة دوره. الأول، إن الطعن أمام المجلس الدستوري ليس متاحا للعامة بل يتطلب الآن، توفر موافقة عشرة من النواب على الأقل على تقديمه، علما أن الكتلة الوحيدة التي أعلنت عزمها على التقدّم بالطّعن هي كتلة لبنان القويّ. وهو أمر يجدر حصوله خلال فترة 15 يوما من نشر القانون في الجريدة الرسمية أي قبل تاريخ 20 أيلول القادم. ومن المُفيد طبعًا في حال حصل ذلك، أن تنخرط المنظّمات الحقوقية كما المراجع الأكاديميّة في توجيه آراء صديقة للمجلس تأكيدا على المخالفات الدستورية التي تشوبه. والثاني، إن أيّ قرار قد يصدره المجلس الدستوري في شأن النظر في دستورية القوانين، يجب أن يصدر عن غالبية سبعة أعضاء تبعًا لمداولات يجدر أن يشارك فيها على الأقل ثمانيّة أعضاء. ويُخشى في ظلّ التجييش الطّائفي الذي يحيط بهذا القانون أن يفشل المجلس في توفير النصاب أو الغالبية المطلوبين، وأن يفقد تاليا ملكة ممارسة الرقابة الدستورية، كما حصل في عددٍ من الطعون الهامّة. في السياق نفسه، قد ينتهي بعض الأعضاء إلى إجراء تسوية حول مضمون القرار من أجل توفير هذا النصاب وهذه الأغلبية، على نحو يؤدي إلى إبقاء القرار تحت سقف مطالب القوى السياسية النافذة واشتراطاتها. في حال صحّت هذه المخاوف، يكون لبنان قد دخل فعليّا في نفقٍ أسود جديد، يؤمل أن يكون أقلّ سوادا وأقصر من النفق الذي دخله تبعا ل