ليس السّؤال السياسي الأصعب اليوم: هل إسرائيل عدوّ؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الجدل. السّؤال الأصعب والأكثر مسؤولية هو: كيف نتعامل مع عدوّ نعرف عدوانيته، من دون أن نمنحه نحن الظّروف التي تجعل عدوانه أكثر كلفة علينا؟هذه هي المسألة التي ينبغي أن تخرج من دائرة الشّعارات إلى دائرة السياسة والعقل والمصلحة الوطنية.فمن يقول إنّ إسرائيل كيان عدواني لا يقول بالضّرورة إنّ الحرب المفتوحة معه يجب أن تكون قدراً دائماً. ومن يرفض التّطبيع والاحتلال والتّهويد لا يعني أنّه يرفض السّلام العادل. ومن يدافع عن فلسطين لا يُلزم بالضرورة بأن يجعل لبنان أو العراق أو أي بلد آخر ساحة مفتوحة لحرب لا يملك وحده قرارها ولا شروطها ولا نتائجها.المشكلة تبدأ عندما يتحول العداء السياسي والأخلاقي للاحتلال إلى إعلان دائم لحرب عسكرية لا نملك القدرة على تحقيق أهدافها.بين الحق والقدرةفي السياسة، لا يكفي أن يكون الهدف عادلاً حتى يكون تحقيقه ممكناً بالطّريقة التي نختارها.قد تكون القضية عادلة، لكن الوسيلة غير قادرة على بلوغها. وقد يكون العدو ظالماً، لكنّ الدّخول معه في مواجهة غير متكافئة قد يؤدّي إلى تدمير المجتمع الذي يفترض أن نحميه.وهنا يجب أن نفرّق بين ثلاثة أمور:عدالة القضية، وضرورة المقاومة، وجدوى الحرب.فالقضيّة الفلسطينية يمكن أن تبقى قضية عادلة وإن تغيّرت أدوات مواجهتها. والمقاومة يمكن أن تكون حقّاً مشروعاً في مواجهة الاحتلال والعدوان. لكنّ ذلك لا يعني أنّ كل حرب تخاض في كل زمان هي بالضّرورة حرب حكيمة، أو أنّ كلّ تصعيد يحقّق بالضّرورة مصلحة القضية التي نرفع شعارها.فالسياسة الرشيدة لا تسأل فقط: ماذا نريد؟ بل تسأل أيضاً: ماذا نستطيع؟ وما الثّمن؟ وما النّتيجة المحتملة؟من يضمن لنا؟يُطرح السّؤال دائماً: إذا تراجعنا عن الحرب المفتوحة، فمن يضمن أنّ إسرائيل لن تعتدي علينا؟والجواب الصريح: لا أحد يملك هذا الضمان. لكنّ السّؤال نفسه يمكن أن يُقلب:من يضمن أنّ إبقاء الحرب مفتوحة سيمنع إسرائيل من الاعتداء؟ من يضمن النّصر؟ من يضمن حماية المدنيين؟ من يضمن ألا تُدمّر المدن والقرى؟ من يضمن ألا يدفع الناس ثمن صراع تتجاوز أهدافه حدود قدرتهم على الاحتمال؟ ومن يضمن أنّ إعلان الحرب الدّائمة لن يتحوّل إلى ذريعة سياسية وإعلامية يستثمرها الخصم لتبرير اعتداءاته؟ لا أحد يملك هذه الضمانات أيضاً. ولهذا فإنّ بناء السياسة على سؤال "من يضمن"؟ وحده يقود إلى طريق مسدود. الدّول والشّعوب لا تُدار بالضّمانات المطلقة، بل بحساب المخاطر والمصالح والقدرات والنتائج.فلسطين لا تحتاج إلى أن نخسر لبنانأخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية هو أن تتحوّل من قضية شعب وحقوق وأرض واحتلال إلى مجرّد عنوان لحرب إقليمية مفتوحة، يدفع ثمنها شعب آخر، فيما يبقى الهدف السياسي الأصلي بعيداً عن التّحقّق. ففلسطين ليست بحاجة إلى أن نخسر لبنان حتى تبقى حاضرة. وليست بحاجة إلى تدمير قرى الجنوب حتى تبقى في الوجدان. وليست بحاجة إلى تحويل الدولة اللبنانية إلى ساحة مواجهة دائمة حتى نثبت أنّنا لم ننسَها. يمكن أن تبقى فلسطين في الضمير والسياسة والثقافة والقانون والإعلام، وأن يبقى الاحتلال مرفوضاً، وأن يبقى حق الفلسطينيين ثابتاً، وأن يبقى التّطبيع موضع رفض، من دون أن يعني ذلك أن لبنان مطالب بأن يحمل وحده عبء معركة لا تستطيع المنطقة بأسرها أن تخوضها عسكرياًوهنا ينبغي أن نطرح السؤال الأكثر قسوة:هل خدمة فلسطين تكون دائماً بإطلاق النّار، أم يمكن أن تكون أحياناً ببناء دولة قوية تحفظ أرضها وشعبها وتمنع تحويلها إلى ساحة صراع؟المقاومة لا تعني إلغاء الدولة، المعضلة اللبنانية ليست في وجود مقاومة للاحتلال بحدّ ذاته، بل في السّؤال المتعلّق بموقع قرار الحرب والسلم داخل الدولة. إذا كانت الدولة موجودة لحماية الناس، فإنّ منطق الدولة يفرض أن يكون قرار الحرب مرتبطاً بمصلحة المجتمع كله، لا بمصلحة جماعة أو محور أو لحظة سياسية.وهذا لا يعني إلغاء المقاومة أو نزع شرعيّة الدفاع عن الأرض، بل يعني الانتقال من منطق "نحن في حرب دائماً" إلى منطق "نحن مستعدّون للدفاع عندما يُعتدى علينا، ونمتلك من القوّة ما يمنع الاعتداء قدر الإمكان". إن الفرق بين المنطقين كبير. الأول يجعل الحرب حالة دائمة. أما الثاني فيجعل القوة أداة للردع والدفاع. والقوّة الحقيقية ليست فقط في القدرة على إطلاق النار، بل في القدرة على اختيار متى نستخدمها، ومتى لا نستخدمها، ولماذا نستخدمها، وما الذي نريد تحقيقه بعدها.لا حياد مع الاحتلال... ولا انتحار باسم المقاومةهناك خطأ شائع في النّقاش السياسي: إمّا أن تكون مع المقاومة بكل خياراتها، وإمّا أن تكون مع إسرائيل.وهذا اختزال خطير. يمكن للبناني أن يرفض الاحتلال، وأن يدافع عن فلسطين، وأن يرفض التّطبيع، وأن يؤمن بحق الشّعوب في مقاومة الاحتلال، وفي الوقت نف