كتب الكاتب والباحث طارق أبوزينب: لم تكن زيارة الوفد الإماراتي الرفيع إلى بيروت مجرد محطة اقتصادية عابرة، ولا حدثًا بروتوكوليًا ينتهي بانتهاء الاجتماعات. ما حملته الزيارة يتجاوز ذلك إلى رسالة سياسية واقتصادية واضحة: لبنان لم يخرج من دائرة الاهتمام العربي، واستعادة الثقة باقتصاده لا تزال ممكنة، لكن تحويلها إلى استثمارات ونمو مستدام بات مسؤولية لبنانية قبل أي شيء آخر. فالوفد الإماراتي، برئاسة وزير التجارة الخارجية الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، ضم أكثر من 80 ممثلًا عن القطاعين الحكومي والخاص، وشمل قطاعات حيوية تمتد من التجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية إلى الأمن الغذائي والزراعة والصحة والطاقة المتجددة والطيران والذكاء الاصطناعي والسياحة. هذا التنوع يعكس أن الحضور الإماراتي لم يأت لاستطلاع سياسي فقط، بل لاستكشاف خريطة واسعة من الفرص الاقتصادية التي يمكن البناء عليها في لبنان. والأرقام تمنح هذه الحركة معناها الفعلي. فقد بلغت التجارة الثنائية غير النفطية بين الإمارات ولبنان نحو 4.2 مليار دولار خلال عام 2025، بنمو بلغ 35.6% مقارنة بعام 2024، ما يؤكد أن قاعدة العلاقة الاقتصادية قائمة أصلًا، وأن المطلوب اليوم هو نقلها إلى مستوى أوسع من الاستثمار والشراكات طويلة الأمد. الأهم أن الزيارة لم تتوقف عند حدود إعلان النيات. فقد شهد منتدى الأعمال الإماراتي اللبناني إطلاق مجلس الأعمال الإماراتي اللبناني المشترك وعقد اجتماعه الأول، إلى جانب توقيع أربع مذكرات واتفاقيات تعاون شملت الاستثمار والأعمال والأمن الغذائي والأبحاث الزراعية وحلول البيوت المحمية. كما وقّع وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط والوزير الزيودي مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري، مع تركيز على قطاعات حيوية بينها الطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية. هنا تحديدًا تكمن أهمية اللحظة. فلبنان لا يحتاج إلى مساعدات ظرفية بقدر حاجته إلى استعادة موقعه كوجهة قابلة للاستثمار. والانتقال من الدعم إلى الشراكة هو التحول الذي يمكن أن يمنح العلاقات اللبنانية–الإماراتية بعدًا اقتصاديًا أكثر استدامة، لأن الاستثمار المنتج يخلق الوظائف ويحرك القطاعات ويستقطب التكنولوجيا والخبرات ويربط الاقتصاد اللبناني مجددًا بالأسواق العربية والدولية. لكن رأس المال لا يتحرك بالعاطفة، والاستثمار لا يعيش على النيات الحسنة. هناك شروط لا يمكن تجاوزها: الاستقرار، وسيادة القانون، ووضوح التشريعات، وفعالية المؤسسات، والإصلاح المالي والمصرفي، وتسهيل ممارسة الأعمال، فضلًا عن بيئة سياسية وأمنية تسمح للمستثمر بالتخطيط للمستقبل بثقة. وهذا ما يضع الدولة اللبنانية أمام مسؤوليتها. فقد ربط الرئيس جوزاف عون بوضوح بين الأمن والاستثمار، معتبرًا وجود رجال الأعمال الإماراتيين في بيروت رسالة أمل وثقة باستقرار لبنان ومستقبله. كما شدد وزير الاقتصاد عامر البساط على أن تحويل إمكانات لبنان إلى نمو يحتاج إلى الإصلاح وسيادة الدولة وحصرية قرار الحرب والسلم بيدها. ورغم الانهيار الذي عاشه لبنان، فإنه لا يبدأ من الصفر. فالبلاد تمتلك قطاعًا خاصًا يتمتع بخبرات واسعة، وثروة بشرية منتشرة في المنطقة والعالم، وموقعًا جغرافيًا يمكن إعادة توظيفه اقتصاديًا، فضلًا عن علاقات تاريخية مع دول الخليج. لكن هذه العناصر ستبقى طاقات معطلة ما لم تحتضنها دولة قادرة على توفير الثقة والاستقرار. ومن هنا تكتسب التجربة الإماراتية أهمية تتجاوز ضخ الاستثمارات. فالإمارات تقدم نموذجًا يقوم على تحويل الاستقرار والتشريعات والبنية التحتية والانفتاح الاقتصادي والتكنولوجيا إلى أدوات لجذب رأس المال وبناء اقتصاد قادر على المنافسة. وما يحتاجه لبنان ليس استنساخ التجربة، بل الاستفادة من فلسفتها: الدولة تهيئ البيئة، والقطاع الخاص يقود النمو، والاستثمار يتبع الثقة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما قدمته الإمارات خلال الزيارة، بل بما سيفعله لبنان بعدها. هل تتحول مذكرات التفاهم إلى مشاريع؟ وهل يستطيع مجلس الأعمال المشترك إزالة العقبات أمام المستثمرين؟ وهل تبدأ بيروت إصلاح بيئتها القانونية والإدارية والمالية بما يسمح بتحويل الاهتمام الإماراتي إلى استثمارات مستدامة؟ لقد فتحت الإمارات نافذة مهمة أمام لبنان، لكن الحفاظ عليها مسؤولية لبنانية. أبوظبي تستطيع أن تفتح أبواب الشراكة، لكنها لا تستطيع أن تبني الدولة اللبنانية بدلًا من اللبنانيين. وهنا يكمن الامتحان: إما أن يلتقط لبنان اللحظة ويحوّل عودة الثقة العربية إلى استثمارات ومشاريع وفرص عمل، وإما أن يضيّع فرصة جديدة تحت وطأة أزماته المزمنة. فإذا اختار طريق الإصلاح والاستقرار وسيادة الدولة، فإن زيارة الوفد الإماراتي لن تُسجَّل كمجرد حدث اقتصادي في بيروت، بل ربما كإحدى المحطات التي بدأ منها لبنان الانتقال من ا