لم يكن قداس شهداء “المقاومة اللبنانية” هذا العام شبيهاً بالمحطات التي اعتادت “القوات اللبنانية” تحويلها إلى استعراض سياسي وتنظيمي واسع. فمن الشكل إلى التسويق، وصولاً إلى مضمون خطاب رئيس الحزب سمير جعجع، بدت المناسبة أقل من عادية، وطرحت سؤالاً جدياً: هل بدأت “القوات” تفقد لمعانها وقدرتها على صناعة الحدث؟ في الشكل، سرّبت “القوات اللبنانية” إلى وسائل إعلام، من بينها “ليبانون ديبايت”، أن قرار نقل القداس إلى داخل الصالة في معراب اتُّخذ بسبب تهديد أمني مرتبط بطائرات مسيّرة. لكن المعلومات التي تكشّفت لاحقاً أظهرت أن خلفية القرار كانت تنظيمية بالدرجة الأولى، بعدما تعذّر إقامة المناسبة في الباحة الخارجية بالصورة المعتادة. فشركة ICE، التي تولّت تنظيم القداس خلال السنوات الثلاث الماضية، كانت منشغلة في ليبيا بتنظيم افتتاح الجامعة الوطنية في بنغازي، وهو الحدث الذي نقلته شاشة LBCI مباشرة على الهواء مساء الخميس. وبطبيعة الحال، لم يكن في إمكان الشركة، التي كانت تتولى تنظيم قداس معراب من دون بدل مالي، التخلي عن التزامها المهني وعقدها في ليبيا. وتتفاقم المشكلة التنظيمية بعدما خسرت “القوات” منظّم مهرجاناتها واحتفالاتها الأساسي إيلي يحشوشي، فيما لم يعد داخل كادرها الحزبي من يستطيع تولّي مهمة بهذا الحجم. ويضاف إلى ذلك التباعد بين النائب ستريدا جعجع وشقيقتها دنيز طوق، التي تولّت هذا العام تنظيم أبرز الاحتفالات الدينية والرسمية في الديمان والقصر الجمهوري. أما التعاقد مع شركة محترفة لتنظيم المهرجان، فيحتاج إلى ميزانية يبدو أن “القوات” لم تكن مستعدة لتخصيصها. وهكذا جرى اللجوء إلى رواية التهديد الأمني، فجلس جعجع والسياسيون داخل الصالة، فيما تُرك أهالي الشهداء في الخارج، حيث يفترض أن خطر الطائرات المسيّرة، إن كان جدياً، لا يميّز بينهم وبين المسؤولين. وفي التسويق، حاولت أنطوانيت جعجع، كعادتها السنوية، تقديم خطاب رئيس “القوات” بوصفه خطاب الساعة والساحة، لكن الخطة بدت تقليدية ومفتقرة إلى أي ابتكار. وقد سبقت المناسبة سلسلة من المقابلات الإعلامية، من بينها مقابلة مع منصة ICI Beyrouth المملوكة لأنطون الصحناوي. ولا تسجّل هذه المقابلة أي مأخذ على الصحناوي أو منصته، بل تطرح أسئلة على جعجع نفسه، الذي بدا كأنه طوى صفحة رولان المر، مسؤول “القوات اللبنانية” في الأشرفية، وتجاوز الخلافات والدعاوى المرتبطة بقضية مقتله، بعدما كان قد وصفه سابقاً بـ”الشهيد”. وهنا يبرز السؤال: كيف اختار جعجع، عشية قداس الشهداء، الظهور عبر منصة يملكها طرف كانت علاقته بـ”القوات” محكومة بخلافات على خلفية قضية رولان المر، من دون أن يوضح لجمهوره ما إذا كانت تلك الصفحة قد أُقفلت أو طُويت؟ فالمسألة لا تتعلق بأنطون الصحناوي، بل بجعجع الذي بدا مستعداً لتجاوز قضية أحد مسؤولي حزبه عندما اقتضت حاجته الإعلامية ذلك. كما أن إطلالات جعجع السياسية المكثفة خلال الأسبوع نفسه استهلكت معظم أفكاره ومواقفه، فلم تترك لخطاب القداس أي مفاجأة سياسية أو موقف استثنائي. وبدلاً من بناء حالة انتظار حول الكلمة، أفرغتها الخطة الإعلامية مسبقاً من عناصر التشويق والتأثير. أما في المضمون، فلم يكن الأداء أفضل حالاً من الشكل والتسويق. وإذا كان الجهاز الإداري في “القوات” قد فشل في إنتاج الصورة المعتادة عن الحزب، فإن جعجع لا يستطيع إلقاء مسؤولية ضعف الخطاب على أحد سواه. فالكلمة جاءت باهتة، بلا استراتيجية واضحة أو رؤية سياسية متماسكة، وأقرب، على حد التعبير الشائع بين الأطباء، إلى “أكل المستشفيات”: موجود، لكنه بلا نكهة. حتى الحماسة داخل الصالة بدت محدودة، ولم يتحرك التصفيق في محطات عدة إلا بعدما كانت النائب ستريدا جعجع تبادر إليه، في محاولة لشحذ همم الحاضرين ومنح كلام زوجها ثقلاً إضافياً. وغاب عن الخطاب أي تصور فعلي للبنان في هذه المرحلة المصيرية. لم يقل جعجع ما الذي يريده للنظام السياسي والصيغة اللبنانية، ولم يشرح كيف سيحمل أمانة من سقطوا، أو أي لبنان يريد أن يبنيه باسمهم. بدا الخطاب تكراراً لمواقفه ومقابلاته الكثيرة، التي بدأت تتحول إلى ما يشبه الثرثرة السياسية المتداولة في الصالونات. أما اللحظة الوحيدة التي لفتت الانتباه، فكانت هجومه على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بسبب عدم اصطحابهما وزير الخارجية يوسف رجي في بعض جولاتهما الخارجية. عندها التفتت ستريدا جعجع نحو رجي وابتسمت وصفقت له، فردّ الأخير بهزّ رأسه، قبل أن يعلّق جعجع فرحاً بأن هذه “الزقفة” كانت أعلى من غيرها، في اعتراف عفوي بأن ما سبقها من كلام لم ينجح في تحريك الصالة. كذلك انتقد جعجع رئاسة الجمهورية والحكومة على خلفية عدم طرد السفير الإيراني، ولم يوفّر الحكومة التي يشارك فيها حزبه من انتقاداته. غير أن هذا الكلام يصدر عن طرف دفع باتجاه قرار