على امتداد نحو 47 عاماً، حكم رجل دولةً صغيرةً في قلب العاصفة. لم يحكمها بالخطابة ولا بالحظ بل بقرارات اتُّخذت في لحظات لم يكن فيها خيار "صح" وخيار "غلط". كان فيها فقط: خسارة أقل، ووجع أقل، وانهيار مؤجل. هذا المقال لا يدّعي أن الملك الحسين طبّق أرسطو حرفيّاً. نحن نقرأ تجربته بعدسة أرسطو، لنفهم: ماذا يفعل الحاكم عندما تضيق أمامه كل المخارج؟ نقرأ هنا لا لنمجّد ولا لندين. نقرأ لنفهم كيف تُتخذ القرارات حين تكون كل الخيارات مُكلِفة. المحطات الثلاث - قراءة بعدسة أرسطو يرى أرسطو الفضيلة وسطاً بين الإفراط والتفريط، لا بمعنى الحل الوسط الحسابي، بل بوصفها الفعل أو الانفعال الملائم الذي يحدده العقل العملي بحسب الشخص والظرف والغاية. وفي الكتاب السادس يربط بين الفضائل الأخلاقية وبين الحكمة العملية: Phronesis القدرة على تقدير ما ينبغي فعله لتحقيق الخير الممكن في ظرف محدّد. إذا طبّقنا هذه العدسة على هذه التجربة، يظهر نمط متكرر في ثلاث لحظات قرار. المحطة الأولى: 1957 - الشجاعة والاعتدال في نيسان 1957 كانت عمّان تواجه تصاعد المد القومي، وضغوطاً سياسية حادة، وتوتراً داخل المؤسسة العسكرية. انتهت الأزمة بإجراءات سياسية وأمنية صارمة، شملت إقالات وإعادة ترتيب في المؤسسة العسكرية، وتقييد النشاط السياسي، وإعلان الأحكام العرفية في 25 نيسان 1957، وتعزيز سلطة الملك على مؤسسات الدولة. إذا قرأناها في ضوء أرسطو، فلا نتحدث عن "فضيلة الحزم" الجاهزة، بل عن تضافر الشجاعة والاعتدال: - الشجاعة: القدرة على الفعل في مواجهة خطر سياسي وأمني. - الاعتدال: ضبط الفعل وتجنب الانزلاق إلى الإفراط أو التفريط. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة قرارات 1957 باعتبارها محاولة استندت إلى تقدير الملك الحسين لضرورة استعادة قدرة الدولة على ضبط مؤسساتها وقرارها السياسي. وأسهم ذلك، في المدى اللاحق، في ترسيخ سلطة الدولة وتعزيز استقلال قرارها. المحطة الثانية: 1967-1970 - العدالة السياسية في زمن الانقسام بعد هزيمة 1967، أصبح الأردن ساحة لتعدد مراكز القوة، وتصاعد نفوذ الفصائل الفلسطينية المسلحة، وتزايد الاحتكاك بينها وبين مؤسسات الدولة. وفي أيلول 1970 تحولت الأزمة إلى مواجهة داخلية واسعة ومعقدة، تداخلت فيها عوامل فلسطينية وأردنية وعربية وإقليمية. وتشير وثائق FRUS إلى تدخل عسكري سوري في شمال الأردن ضمن سياق الأزمة. أُعلنت الأحكام العرفية في 16 أيلول 1970، وشُكّلت حكومة عسكرية برئاسة محمد داود، وتراجعت حدة القتال في أواخر أيلول مع اتفاقات وقف إطلاق النار، قبل أن تستمر المواجهات خلال الأشهر التالية، وتنتهي تدريجاً بإخراج الفصائل الفلسطينية المسلحة من الأراضي الأردنية عام 1971. بالمعنى الأرسطي، يمكن قراءة هذه المرحلة في ضوء سؤال العدالة السياسية، لا بوصفها تبريراً للعنف، ولا بوصفها مساواة تلقائية بين "استعادة سلطة الدولة" و"العدالة". عند أرسطو العدالة مرتبطة بالنظام السياسي والمصلحة المشتركة، وهي أوسع من مجرد احتكار القوة. أما السؤال المطروح فكان: كيف يمكن إعادة تأسيس إطار سياسي واحد تكون فيه السلطة والقوة محكومتين بإطار قانوني وسياسي مشترك، بعد انهيار التوازن بين مراكز القوة؟ وتُقرأ مرحلة ما بعد 1970 كمحاولة لإعادة بناء شروط الوحدة السياسية والاجتماعية وتنظيم العلاقة بين الدولة والقوى السياسية. المحطة الثالثة: 1989-1994 - الحكمة العملية نهاية الثمانينيات شهدت أزمة اقتصادية ومالية عميقة في الأردن، مع ارتفاع الدين وتراجع المساعدات والتحويلات، وفق تقارير صندوق النقد الدولي. وبلغت الأزمة ذروتها عام 1989. ثم جاءت حرب الخليج 1990-1991 لتضيف ضغطاً إضافياً عبر اضطراب التجارة وتراجع المساعدات وعودة أعداد كبيرة من الأردنيين. في الوقت نفسه دخل الإقليم مرحلة سياسية جديدة مع انطلاق عملية السلام في مدريد 1991. في هذا السياق المركّب وقّع الأردن وإسرائيل معاهدة السلام في 26 تشرين الأول 1994. والحكمة العملية Phronesis عند أرسطو ليست ذكاءً ولا مراوغة، بل القدرة على تقدير ما ينبغي فعله لتحقيق الخير الممكن في الظروف الملموسة. من هذه الزاوية، يمكن قراءة قرار الدخول في معاهدة وادي عربة باعتباره خياراً سياسياً استند إلى تقدير القيادة الأردنية لمصالح الدولة في ظرف إقليمي واقتصادي شديد التعقيد. لم تكن المعاهدة نتيجة مباشرة وحيدة للأزمة الاقتصادية، بل كانت قراراً متعدد الأبعاد ارتبط بالاستقرار والعلاقات الإقليمية والموارد والأمن. وقد أنشأت المعاهدة إطاراً قانونياً لتنظيم السلام والعلاقات الثنائية، وترسيم الحدود، وتنظيم قضايا المياه والأمن والتعاون بين البلدين. في المحصّلة، لم يكن الملك الحسين فيلسوفاً. كان رجل دولة واجه نحو 47 عاماً من "لا خيار مثالي". وعندما نقرأه بعدسة أرسطو لا نرى أسطورة بل محاولة متكرر