يضع كريم، الشاب الثلاثيني، الإمارات على رأس قائمة أحلامه المهنية، بعدما أمضى سنوات يبحث عن فرصة تمنحه دخلاً أفضل ومساحة أوسع لبناء مستقبله. يقول إن فكرة السفر والعمل هناك لم تعد بالنسبة إليه مجرد تجربة مؤقتة، بل محاولة جدية لبدء حياة جديدة: "أريد أن أعمل وأتعب، لكن في مكان أشعر فيه بأن تعبي يمكن أن يفتح لي باباً". وبين إرسال طلبات التوظيف وانتظار الردود، يتخيّل دبي المحطة التي يبدأ منها من جديد، بعيداً عن القلق اليومي بشأن العمل والدخل والمستقبل. مثل كريم، يتطلّع كثيرون إلى الإمارات باعتبارها وجهة للعمل وبناء مستقبل مهني. وفي المقابل، تعمل الدولة على جذب المهارات، فيما يستفيد اقتصادها غير النفطي من اتساع القاعدة السكانية، بالتوازي مع سياسات استقطاب الاستثمارات والشركات والكفاءات. ولم يعد النمو السكاني مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل بات أحد العوامل الداعمة للنشاط الاقتصادي، فالزيادة السكانية تؤدي عادةً إلى ارتفاع الطلب على السكن والنقل والغذاء والتعليم والصحة والخدمات المالية والترفيه، ما يوسّع حجم السوق ويحفّز الاستثمار في قطاعات متعددة. بحسب أحدث البيانات المنشورة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، بلغ عدد سكان الإمارات نحو 11.29 مليون نسمة في عام 2024، بزيادة نسبتها 5.7 % عن عام 2023، عندما بلغ العدد نحو 10.68 ملايين نسمة. وتعكس هذه الزيادة استمرار قدرة الدولة على استقطاب المقيمين، مدفوعة بتوسّع النشاط الاقتصادي وتنوع فرص العمل وسياسات الإقامة وجاذبية الإمارات بوصفها مركزاً إقليمياً للأعمال والخدمات. ولا يقتصر الأثر الاقتصادي للنمو السكاني على الاستهلاك، فالمقيم الجديد قد يكون عاملاً أو مستهلكاً أو مستثمراً أو صاحب مشروع، ما يوسّع السوق الداخلية ويزيد الطلب على منتجات الشركات. وفي المقابل، يتطلب ذلك استثمارات متواصلة في المساكن والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطاقة ووسائل النقل. وصل عدد سكان دبي إلى أكثر من 4.58 ملايين نسمة بنهاية عام 2025، مسجّلاً نمواً سنوياً نسبته 7.5 %، وفق مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء. وكانت الإمارة قد أنهت عام 2024 بنحو 4.25 ملايين نسمة، ما يعني أنها أضافت قرابة 332 ألف مقيم خلال سنة واحدة. تكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة في إمارة تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والسياحة والعقارات والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية. فارتفاع عدد السكّان يترجم إلى طلب أكبر على المساكن والمكاتب والمتاجر والمدارس والمرافق الصحية، ويحفّز استثمارات جديدة لتلبية هذا الطلب. يضاف إلى السكان المقيمين عدد كبير من العاملين والزوار الذين يدخلون دبي يومياً، ما يجعل الضغط الفعلي على الطرق والمواصلات والمرافق أعلى مما يوحي به عدد المقيمين وحده. أبوظبي: 4.14 ملايين نسمة وقوة عمل شابة بلغ عدد سكان إمارة أبوظبي 4,135,985 نسمة في عام 2024، بزيادة سنوية نسبتها 7.5 %، وفق مركز الإحصاء – أبوظبي. وشكّل الذكور نحو 66.9 % من السكان، مقابل 33.1 في المئة للإناث؛ وهي فجوة ترتبط إلى حد كبير بطبيعة تدفقات العمالة الوافدة وتركيبتها القطاعية. وتتميز الإمارة بتركيبة سكانية شابة، إذ يقع نحو 84 % من السكان ضمن الفئة العمرية ما بين 15 و64 عاماً، فيما تتراوح أعمار نحو 54 % منهم بين 25 و44 عاماً، وهي الفئة الأكثر ارتباطاً بسوق العمل لإنتاج والاستهلاك. ويُسجّل أيضاً ارتفع عدد العاملين في أبوظبي إلى نحو 2.76 مليون شخص في عام 2024، كما أضيفت 29,415 وحدة عقارية، ليصل إجمالي الوحدات إلى 784 ملايون وحدة، بزيادة نسبتها 3.9 %. وارتفع عدد المباني بنسبة 6.2 في المئة إلى نحو 299 ألف مبنى، في مؤشر إلى محاولة المعروض العقاري مواكبة التوسع السكاني والاقتصادي. لكن بيانات دبي وأبو ظبي لا تصلح للمقارنة المباشرة، لأنها تعود إلى سنتين مختلفتين: 2025 في دبي و2024 في أبو ظبي. الاقتصاد غير النفطي يواصل النمو تزامن التوسع السكاني مع أداء اقتصادي قوي، ففي الربع الأول من عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات بنسبة 3.9 % على أساس سنوي، ليبلغ نحو 455 مليار درهم (نحو 124 مليار دولار). ونما الناتج غير النفطي بنسبة 5.3 % إلى نحو 352 مليار درهم (نحو 96 مليار دولار)، لترتفع مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 77.3 % من الناتج الحقيقي. وتشمل القطاعات المستفيدة من اتساع سوق التجارة والعقارات والبناء والنقل والضيافة والخدمات المالية والصحة والتعليم. مع ذلك، لا تعني زيادة حجم الاقتصاد بفعل ارتفاع عدد السكان تحسناً مماثلاً بالضرورة في الإنتاجية أو نصيب الفرد من الناتج، إذ ويتوقف ذلك على نوعية الوظائف الجديدة، ومستويات الأجور، وحجم الاستثمار المنتج، وقدرة الاقتصاد على تحويل المهارات الوافدة إلى ابتكار وقيمة مضافة. كذلك، يفرض النمو السريع تحدّيات في أسعار السكن