"ليبانون ديبايت" - المحامي ميشال فلاّح في كتابه "الحرب والعولمة: من المستفيد من 11 أيلول؟"، يتوقف الباحث الكندي ميشال شوسودوفسكي عند التحول الهائل الذي أصاب إنتاج الأفيون خلال الحرب الأفغانية، ويستند، من بين مصادره، إلى الباحث الأميركي ألفرد ماكوي، ليشير إلى أن المناطق الحدودية الأفغانية-الباكستانية تحولت، بعد سنوات قليلة من بدء الحرب ضد السوفيات، إلى مركز أساسي لإنتاج الهيرويين، وأنها كانت تؤمّن، بحسب المصدر، نحو60 في المئة من الطلب الأميركي. والأشد دلالة أن عدد المدمنين على الهيرويين في باكستان ارتفع، وفق الأرقام التي يوردها، من مستوى يكاد يكون معدوماً سنة 1979 إلى نحو 1.2 مليون مدمن سنة 1985. هذه ليست مجرد أرقام عن المخدرات. إنها أرقام عن اقتصاد حرب نشأ وتضخم في ظل صراع دولي كانت أولويته الكبرى إخراج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان. ويبرز هنا اسم تشارلز كوغان Charles Cogan، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA عن العمليات المرتبطة بأفغانستان. ينقل عنه شوسودوفسكي، في شهادة تعود إلى عام 1995، ما معناه أن الولايات المتحدة كانت تملك هدفاً رئيسياً: إلحاق أكبر ضرر ممكن بالسوفيات، وأن الوكالة لم تكن تملك الموارد أو الوقت للتحقيق في تجارة المخدرات، وأن لهذه السياسة تداعيات مرتبطة بالمخدرات، لكن الهدف الأساسي تحقق: غادر السوفيات أفغانستان. هذه الشهادة تختصر مدرسة كاملة في العلاقات الدولية. ليست القضية أن الولايات المتحدة قررت أن المخدرات أصبحت مشروعة، ولا أن ذلك يثبت بذاته أن الـCIA كانت تدير تجارتها. القضية أكثر بساطة وأشد خطورة. كانت هناك مشكلة تعرف بها القوة الكبرى، لكن مواجهتها لم تكن أولوية لأن ثمة مصلحة استراتيجية أعلى. والنتيجة كانت مذهلة. بحلول عام 2000، كانت أفغانستان تنتج أكثر من 70 في المئة من الأفيون العالمي، فيما تقدر الأمم المتحدة إنتاجها في عام 1999 بنحو4600 طن، أي قرابة 79 في المئة من الإنتاج العالمي آنذاك. وهنا تبدأ قصة لبنان. ليس لأن أفغانستان هي لبنان، ولا لأن حزب الله هو "المجاهدون الأفغان"، ولا لأن كل ما ينسب إلى شبكات مرتبطة بالحزب من تجارة مخدرات يمكن مساواته بما حدث في "الهلال الذهبي". القياس الحقيقي هو في مكان آخر. العالم قد يعرف، لكنه لا يتحرك. وقد يملك القدرة، لكنه لا يستخدمها. وقد يدين واقعاً في قراراته، ثم يتعايش معه في سياسته، لأن إنهاءه ليس بعدُ مصلحة أو أولوية. منذ اتفاق الطائف، كان المطلوب حل الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة. وفي 2004 جاء القرار 1559 مطالباً بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها. ثم القرار 1680، فالقرار 1701 الذي أعاد التأكيد على نزع سلاح الجماعات المسلحة وعلى ألا تكون هناك أسلحة أو سلطة في لبنان إلا بموافقة الحكومة اللبنانية. إذن، العالم كان يعرف أن المشكلة موجودة. لم يكن سلاح حزب الله سراً عسكرياً اكتشفه المجتمع الدولي فجأة. ولم تكن بنيته المستقلة عن الدولة مجهولة. ولم يكن ارتباطه بإيران خافياً. حتى في عالم المخدرات وغسل الأموال، لم تستيقظ الولايات المتحدة بالأمس على هذه الاتهامات. فقد استهدفت وزارة الخزانة الأميركية منذ سنوات أشخاصاً وشبكات قالت إنها مرتبطة بحزب الله وبغسل الأموال والاتجار بالمخدرات. ومع ذلك، استمرت المعادلة. وهنا السؤال الذي يجب أن يطرح بقوة، هل استمرت لأن حزب الله كان أقوى من المجتمع الدولي، أم لأن المجتمع الدولي لم يكن يريد دفع ثمن إنهائها؟ في لبنان، اعتدنا تفسير كل شيء بالقوة الذاتية للحزب: ترسانته، تنظيمه، جمهوره، أجهزته، قدراته الأمنية. لكن القوة لا تعيش في الفراغ. كانت خلف حزب الله إيران بقدراتها المالية والعسكرية والسياسية، وسوريا التي شكلت لعقود ممراً استراتيجياً بين إيران ولبنان، وبيئة إقليمية سمحت بوصول السلاح والمال، ونظام دولي تعامل مع هذا الواقع، بدرجات متفاوتة، بمنطق الاحتواء وإدارة الخطر أكثر مما تعامل معه بمنطق الإزالة. وهذا لا يعني أن واشنطن كانت حليفة للحزب. كانت تصنفه إرهابياً وتعاقب قياداته وشبكاته. لكن العداء لا يعني دائماً أن إسقاط الخصم هو الأولوية الأولى. هذه تحديداً هي قاعدة أفغانستان. يمكن أن تكون هناك مخدرات، ومقاتلون، وتمويل غير مشروع، وتجاوزات تعرف بها القوة الكبرى، لكنها تسأل قبل كل شيء: ما أولويتي الآن؟ وحين يتغير الجواب، تتغير السياسة. في لبنان، بدأ البناء الإقليمي الذي منح حزب الله جانباً كبيراً من قوته يتعرض لضربات عميقة. وتصف وزارة الخزانة الأميركية سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 بأنه أدى إلى إضعاف قدرة الحزب على نقل الأموال، بعدما شكلت سوريا لعقود جسراً بين إيران وحزب الله. هنا انكشف شيء بالغ الأهمية، لم تكن كل قوة حزب الله ملكاً لحزب الله. جزء منها كان إيران. جزء