فتحت الإمارات العربية المتحدة، من خلال زيارة الوفد الاقتصادي الرفيع إلى بيروت، قنوات التواصل الاقتصادي مع لبنان. لكن نجاح الزيارة سيتوقف على قدرة لبنان على تحويل هذا الاهتمام إلى مشاريع واستثمارات وفرص عمل ونمو. فإذا ظهرت المشاريع على الأرض، تصبح الزيارة نقطة انطلاق لمسار اقتصادي جديد. أما إذا بقيت النتائج في حدود اللقاءات ومذكرات التفاهم، فستبقى الزيارة رسالة ثقة مهمة من دون أن تتحول إلى استثمار فعلي. صحيح أن زيارة الوفد فتحت الباب واسعًا أمام الاستثمارات الإماراتية في لبنان، بعد سنوات من الأزمات التي أبعدتها عن السوق اللبنانية. لكن أهمية الزيارة لا تكمن في حجم الوفد واللقاءات فحسب، بل في السؤال الذي يبدأ طرحه الآن: ماذا بعد؟ فالانتقال من استكشاف الفرص إلى تنفيذ المشاريع يتطلب من لبنان توفير البيئة التي يحتاج إليها المستثمر، فيما يفترض أن تتحول المباحثات بشأن اتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، ومجلس الأعمال اللبناني الإماراتي، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى خطوات عملية. وزيرا الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط والإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي يوقّعان مذكّرة تفاهم (تصوير حسام شبارو) من زيارة ناجحة إلى استثمار ناجح وإن كان وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي وصف الزيارة بالناجحة، بيد أنها أعطت أولا إشارة إيجابية وأطلقت مسارات عدة، من مجلس الأعمال والمشاريع المشتركة إلى التعاون الحكومي والمفاوضات المحتملة حول CEPA، والبحث في قطاعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا واللوجستيات. أولويات الاستثمار الإماراتي ركز وزير التجارة الخارجية الإماراتي على ضرورة تحديد مشاريع تحقق نتائج مباشرة وقابلة للتنفيذ والقياس. وتشمل مجالات الاهتمام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحكومة الإلكترونية واللوجستيات والطاقة والنفط والغاز والتصنيع الغذائي والصناعات التي تحتاج إلى التكنولوجيا الحديثة. وهذا يعني أن الاهتمام الإماراتي لا يبدو محصورا بالعقارات والسياحة، بل يمتد إلى قطاعات إنتاجية وبنية تحتية يمكن أن يكون لها أثر مباشر في الاقتصاد اللبناني. أكد وزير الاقتصاد عامر البساط لـ"النهار" أن الاستثمار "مسار"، وأن توقع تدفق مليارات الدولارات فورا بعد الزيارة غير واقعي. ولكن لبنان سيواصل العمل مع الإمارات على إطار استثماري واقتصادي شامل، ترتبط به CEPA. توازيا، تعمل الحكومة على فتح المجال أمام القطاع الخاص في البلدين للبحث عن المشاريع عبر مجلس الأعمال المشترك. فدور الدولة، بحسب البساط، هو توفير الإطار القانوني والمؤسسي وتسهيل الإجراءات وتهيئة البيئة الاستثمارية، بينما يبقى الاستثمار في الأساس مهمة القطاع الخاص. وقسم البساط الفرص إلى مستويين: الأول مشاريع البنية التحتية، ومنها المرافئ والكهرباء والطرقات والنفق بين بيروت والبقاع وتكنولوجيا المعلومات، وهي مشاريع قد تحتاج إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP. وتبرز هنا أيضا صيغة BOT، التي تتيح الاستفادة من تمويل وخبرة القطاع الخاص في ظل محدودية الموارد الحكومية. أما المستوى الثاني فهو الشراكات المباشرة بين الشركات Private to Private / Business to Business، وتشمل الضيافة والفنادق والزراعة والصناعة والتكنولوجيا. وقد تبدأ هذه الاستثمارات بأحجام أصغر وتتوسع تدريجيا، بعيدا عن دورة القرار الحكومي الطويلة. لا تشير المعطيات الحالية إلى تمويل حكومي مباشر للخزينة اللبنانية، إذ يتركز الاهتمام على استثمارات القطاع الخاص. إلا أن النموذج الإماراتي يضم شركات كبرى تملك الدولة حصصا فيها أو ترتبط بها، مثل "دبي ورلد"، ما يعني أن الاستثمار قد يأتي من شركات خاصة أو شركات ذات ملكية حكومية جزئية أو كاملة، من دون أن يكون بالضرورة مساعدة مالية مباشرة للبنان. يحتاج المستثمر الإماراتي إلى مشاريع واضحة ومدروسة، قوانين مستقرة، إجراءات سريعة، تمويل وضمانات، وبيئة آمنة تسمح بالتخطيط الطويل الأمد. وهنا تبرز مشكلة البيروقراطية التي شدد عليها رئيس المجلس اللبناني الإماراتي عن الجانب اللبناني وسيم ضاهر، مستندا إلى تجربة الإمارات في الخدمات الإلكترونية. وعلى الحكومة اللبنانية أن تبدأ بتحديد مشاريع محددة، لا مجرد قطاعات عامة، مع بيان كلفة كل مشروع ودراسة جدواه وعوائده ومدته وحوافزه ومخاطره والجهة المسؤولة عنه. كما عليها تسريع الرقمنة والإصلاح الإداري، تخفيف البيروقراطية، تطوير الإطار القانوني لـPPP، وضمان الشفافية والمنافسة وحماية حقوق الدولة والمستثمر. وأكد ضاهر أن لجانا ستتابع حصيلة اللقاءات لترجمتها ميدانيا، سواء المشاريع التي يريد لبنان استقطاب استثمارات إليها أو المشاريع التي ترغب الإمارات في تنفيذها.