صحيح أن التفاؤل في أوكرانيا انتهى سريعاً خلال هذا الصيف. لكن وضع روسيا ليس أفضل بكثير حالياً. في 9 آب/أغسطس، أعلنت سوريا أن موسكو لم تعد تتحكم بقاعدتي حميميم وطرطوس بشكل كامل، حيث ستتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز "تدريب مشترك". أما السيطرة على المنشآت المدنية فستعود إلى العاصمة دمشق. يعني ذلك على الأغلب أن قدرة روسيا على الاستخدام العسكري للقاعدتين الوحيدتين لها خارج دول الاتحاد السوفياتي السابق ستصبح محدودة في المديين القريب والمتوسط. وأقدَمَ حليف تاريخي آخر لموسكو على خطوة مفاجئة في الوقت نفسه تقريباً. استقبل الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الثامن من أغسطس/آب الماضي. بالرغم من أن صربيا لم تشارك في فرض عقوبات على روسيا، شدد فوتشيتش على أن بلاده تحترم وحدة أراضي أوكرانيا. وذكرت تقارير أن الجانبين تطرقا إلى التعاون الدفاعي الذي لا يبدو أنه وليد اللحظة. فقد اتهمت روسيا صربيا السنة الماضية بنقل أسلحة إلى أوكرانيا عبر دول ثالثة، من بينها صواريخ للراجمات وقذائف مورتر. مع ذلك، يبقى للقمة بين الرئيسين وقعها الخاص على روسيا. في 25 تموز/يوليو، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الكازاخي قاسم-جومارت توكاييف وقد طلب منه مباشرة وقف الحرب على أوكرانيا. وهكذا فعل الأسبوع الماضي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. ما زاد الطين بلّة أن ذلك حدث خلال قمة منظمة شنغهاي. لم تكن تلك المرة الأولى التي يقترح فيها مودي وقف الحرب، من دون أن يؤدي ذلك إلى افتراق الشريكين. لكن بشكل بديهي، لا يحب الرئيس الروسي سماع هذه المقترحات على الهواء. لم يساعد موقفَ روسيا الدولي ما نُقل عن وزير خارجية الصين وانغ يي ومفاده أن بكين ستمنع روسيا من استخدام السلاح النووي في أوكرانيا. كان ذلك امتداداً لسنة مؤلمة على أصدقاء روسيا إذ خسرت حليفيها نيكولاس مادورو في فنزويلا وفيكتور أوربان في المجر. وبالرغم من صمود النظام في إيران، خسر بوتين العديد من الوجوه السياسية والأمنية في طهران والتي تعاملت معها روسيا وعرفتها جيداً خلال العقود الماضية. لن تؤثر معظم تلك الأحداث على قدرات روسيا في مواصلة حربها ضد أوكرانيا. لكن ذلك يثير علامة استفهام عما إذا كانت روسيا تستطيع مواصلة دورها الديبلوماسي حول العالم لو استمر نزف الحلفاء أو على الأقل حماستهم لحربه. كذلك، ثمة سؤال بشأن ما إذا كانت زيادة الدعم لإيران خياراً ممكناً للتعويض عن فقدان الأصدقاء والنفوذ الديبلوماسي الدولي. روسيا وإيران... بين الدور والمصلحة إنّ أحد محدّدات "القطب الدولي" هو القدرة على التأثير في الصراعات العالمية. الحرب على إيران هي منفذ أساسيّ للتأثير الروسي على الأحداث العالمية وسط تقلّص دور موسكو الحاليّ. يشير تقرير "فايننشال تايمز" الأخير إلى مشروع تعاون سري بين الطرفين يُعرف باسم "سي 430 إل" ويسمح لإيران بتطوير صواريخ مضادة للسفن الأميركية. ربما يتوافق ذلك مع ما قاله بوتين لنظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال قمة منظمة شنغهاي الأخيرة: "نحاول توفير الدعم الذي تحتاجون إليه في هذه الفترة الصعبة، ونمدّكم بالسلع التي تحتاجون إليها". لكن المساعدة قد تكون ديبلوماسية وحسب. فبالرغم من أن المشروع "سي 430 إل" يعود ثلاثة أعوام إلى وراء تقريباً، يبدو أنه لم يبلغ عتبة التحول إلى خطر استراتيجي على السفن الأميركية. قد يؤشر ذلك إلى وجود حدود لما تريد روسيا تقديمه في هذا المجال. تتحدّد المصلحة الروسية في التعامل مع إيران بحسب العلاقة الثنائية، أو الثلاثية مع أميركا، أكثر مما تتحدد بالنفوذ الديبلوماسي الروسي على مستوى العالم. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستعدان لتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، يناير 2025. (أ ب) في الصورة العامة، تستفيد روسيا من اللامبالاة تجاه طهران، أو من الدعم المحدود لها. فإيران المتفقة مع الغرب تسمح بخفض أسعار النفط مما يقلص قدرات روسيا المالية. وإيران القوية تشكل خطراً على القوقاز الجنوبي، وهي المنطقة التي فقدت فيها روسيا نفوذها إلى حد بعيد. وبعد التوقيع على الاتفاق النووي سنة 2015، ظهر ميلٌ سريع في طهران لتفضيل الشراكة الاقتصادية مع الغرب. كذلك، ومع بدء امتلاك أميركا اليد العليا في مضيق هرمز، قد يفضل بوتين الانتظار لمعرفة إلى أين ستميل الدفة بين واشنطن وطهران قبل اتخاذ أي خطوة جديدة تجاه العلاقة مع الإيرانيين، خصوصاً أنه لا يريد المخاطرة "كثيراً" بحسن العلاقات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. في نهاية المطاف، أميركا، لا إيران، هي التي قد تقدّم المساهمة الكبرى في الانتصار على أوكرانيا... إذا حدث.