لم تكن النكبة التي أصابت شيعة لبنان، لا سيما جنوبييهم، مجرد نتيجة عسكرية لحرب جديدة. إنها لحظة تاريخية انقلب فيها معنى القوة والحماية والتمثيل السياسي داخل الاجتماع الشيعي اللبناني. فبعد عقود من تراكم قوة "حزب الله" العسكرية والتنظيمية والاجتماعية والمالية، وجد المجتمع الذي قيل إن السلاح وُجد لحمايته أمام واقع مختلف: أكثر من مليون نازح، مئات آلاف الجنوبيين خارج قراهم، قرى ومساكن مدمرة، أراضٍ زراعية محروقة، وبنية تحتية وخدمات أساسية متضررة، فيما تحولت مناطق واسعة من الجنوب إلى جغرافيا يصعب فيها استئناف الحياة الطبيعية. المفارقة أن المجتمع الذي تحمل الكلفة الاجتماعية الأثقل لمشروع «المقاومة» أصبح هو نفسه يدفع ثمن التحول الإقليمي الذي أسقط شروط استمرار ذلك المشروع. فالمسألة لم تعد مقدار ما خسره الجنوب من حجر وأرض، بل ما إذا كان قادراً على إعادة إنتاج نفسه اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً في المكان الذي صنع هويته الحديثة. 1. من تعددية شيعية إلى أحادية تنظيمية لم يكن الاجتماع الشيعي اللبناني، قبل صعود "حزب الله"، خالياً من الصراعات والانقسامات. لكنه كان تعددياً في طبيعة خلافاته. فقد تنافست داخله قوى اليمين واليسار والعائلات والتيارات السياسية، كما ظهر التنافس المناطقي بين شيعة الجنوب وشيعة البقاع، لا سيما عند استحقاق رئاسة المجلس النيابي المخصصة للطائفة الشيعية. كانت هذه الصراعات تدور حول السياسة والتمثيل والنفوذ والمصالح المحلية، ولم تكن الطائفة كتلة سياسية واحدة ذات مرجعية عسكرية واحدة. وكان الشيعي اللبناني يستطيع أن يكون يمينياً أو يسارياً، قومياً أو لبنانياً، وأن يتحالف أو يختلف مع أبناء الطوائف الأخرى. أحدث"حزب الله" تحولاً بنيوياً في هذه المعادلة. فقد دخل الحياة السياسية الشيعية حاملاً عقيدة ولاية الفقيه وتنظيماً عسكرياً شديد الانضباط، ثم بنى بدعم إيراني شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية. ومع تراكم القوة، تحولت هذه الشبكة إلى قدرة على التأثير في القرار الوطني ومصادرته في مجالات استراتيجية. لم يكن الحزب يدير الدولة، لكنه امتلك بفعل سلاحه القدرة على أن يكون الآمر والناهي في قضايا تتصل بالأمن والحرب والسلم والعلاقات الإقليمية. وبقيت مؤسسات الدولة قائمة، لكن قدرتها على اتخاذ قرار مستقل في القضايا التي تمس استراتيجية الحزب أصبحت مقيدة بثقل قوة مسلحة تقع خارجها. 2. حينما تحولت الهوية إلى أداة جيوسياسية لم تكن هذه البنية منفصلة عن المشروع الإيراني في المشرق. فقد بنت إيران شبكة من القوى المسلحة ذات التعبئة المذهبية، من "فاطميون" و"زينبيون" في سوريا إلى "حزب الله" العراقي و"النجباء" في العراق، وصولاً إلى "حزب الله" في لبنان، فيما دخل الحوثيون في اليمن في منظومة الصراع المرتبطة بطهران، مع اختلاف مرجعيتهم الزيدية. وكان "حزب الله" اللبناني الحلقة الأهم في الطرف الغربي من هذا الامتداد. وقد عبّر حسن نصر الله بوضوح عن طبيعة علاقته بإيران حينما أعلن نفسه «جندياً» في جيش ولاية الفقيه، وأكد أن تمويل الحزب وسلاحه يأتيان من الجمهورية الإسلامية في إيران. وهنا ينبغي التمييز بين الشيعة كمجتمعات تاريخية وبين توظيف الهوية المذهبية في مشروع جيوسياسي. فالمسألة ليست في المذهب الشيعي ولا في الانتماء إليه، وإنما في تحويل الانتماء المذهبي إلى قاعدة للتعبئة والتنظيم العسكري والسياسي وبناء قوى مسلحة عابرة للحدود تخدم مشروعاً إقليمياً. ومن هذه الزاوية، كان «الهلال الشيعي» تعبيراً سياسياً عن مجال نفوذ إيراني متصل من طهران عبر بغداد ودمشق إلى بيروت. ولم يكن جوهره وحدة المجتمعات الشيعية، بل إنشاء جغرافيا نفوذ تستطيع طهران من خلالها مدّ قوتها عبر دول المشرق العربي بواسطة حلفاء وقوى مسلحة محلية. كان الانقلاب الدراماتيكي في سوريا نقطة انكسار في هذه الجغرافيا. فقد تحولت سوريا من الحلقة التي تصل إيران بلبنان إلى إحدى أهم ساحات انكشاف المشروع الإيراني وهزيمته، وانتهى الوجود العسكري الإيراني وشبكة الميليشيات المرتبطة به هناك إلى خسارة استراتيجية كبرى. وهكذا لم يعد الأمر مجرد تراجع في النفوذ، بل ضربة مباشرة للبنية التي قام عليها الامتداد الإيراني. ومع انتقال المواجهة إلى إيران و"حزب الله"، انكشف اختلال ميزان القوى وتبددت أوهام «فائض القوة» القادر على فرض معادلة ردع مستقرة لاستثمارها لاحقاً في الانقلاب على المعادلة اللبنانية عند لحظة الحل النهائي في المنطقة. وفقد الحزب بذلك جزءاً أساسياً من العمق الاستراتيجي الذي استند إليه في بناء قوته داخل لبنان، فيما أصبح ما كان يُقدَّم باعتباره حماية إقليمية مصدراً لتعريض البيئة الاجتماعية نفسها لمخاطر الحرب. 4. تلال علي الطاهر: عندما ينقلب فائض القوة إلى انكشاف في هذا السياق، تكتسب تلال عل