تحولت معظم الأرياف الزراعية والصناعية في سوريا خلال السنوات الأخيرة من خلايا اقتصادية منتِجة إلى ما يشبه "المحميات الاستهلاكية" المعتمدة كلياً على شريان الحياة الوحيد المتمثل في "حوالات المغتربين". هذا التحول الجذري لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لارتفاع تكاليف الإنتاج من محروقات وأسمدة وضرائب، وهذا ما دفع الأهالي لإيقاف ورشهم الصغيرة وترك أراضيهم الزراعية، والاستعاضة عن ذلك بانتظار مساعدة شهرية تتراوح بين 100 و150 دولاراً، وهو ما يضع البنية الإنتاجية السورية أمام خطر الانهيار الطويل الأمد. يشير الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري عامر ديب في حديثه مع "المدن"، إلى أنَّ "الاعتماد المطلق على الحوالات يمثل حالة بالغة الخطورة على الاقتصاد الكلي". ويستند ديب في تحليله إلى بيانات رسمية ومراكز أبحاث تُظهر قفزة هائلة في حجم الحوالات الواردة إلى سوريا، إذ بلغت نحو 6 مليارات دولار في العام 2025، لتصعد إلى حدود 11 مليار دولار في العام 2026، بحسب تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر حصرية. ويوضح ديب أنَّ "هذه الزيادة المتصاعدة في السيولة النقدية تخلق تضخماً حاداً في الأسعار، وتضع ابن الريف أمام مقصلة مزدوجة تتألف من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الإنتاج. وبسبب غياب العملية الإنتاجية، تذهب هذه الحوالات مباشرة لتوجه شرائي محموم نحو السلع المتاحة، وهذا ما ينتج فجوة واسعة بين العرض والطلب تنعكس على شكل تضخم متسارع ومزيد من إفقار المجتمع". وعليه، يرى ديب أن "الحوالات من دون العمل هي حل مؤقت وليس دائماً"، محذراً من أن غياب الدعم الحكومي والتنموي لأرياف الزراعة والصناعة سيقود بالضرورة إلى تراجع الناتج القومي وتآكل القيمة المضافة للاقتصاد المحلي وخلق حالة من الخمول والكسل الإنتاجي. عندما تعجز المحاصيل عن تغطية التكاليف من جانبه، يقدم الخبير الزراعي أكرم عفيف قراءة ميدانية واقعية للمشهد الزراعي في الأرياف. ويؤكّد عبر "المدن"، أن شريحة واسعة من سكان الأرياف محرومة من نعمة وجود مغتربين يرسلون لهم الحوالات، ما يجعل الأوضاع هناك بالغة المأساوية، خصوصاً في المناطق الجبلية التي تفتقر أساساً إلى الموارد المائية والزراعية والثروة الحيوانية وفرص العمل البديلة. أما في المناطق ذات الطابع الزراعي، فيؤكد عفيف أن "خسائر القطاع الإنتاجي تفوق كل التوقّعات نتيجة القفزة الهائلة في تكاليف مستلزمات الإنتاج مقابل تدني أسعار المحاصيل بشكل غير مسبوق". ويضرب أمثلة على ذلك من الموسم الحالي، إذ تم بيع كيلو البطيخ الأحمر بمبلغ زهيد يتراوح بين 500 و1000 ليرة سورية فقط، في حين بيعت البندورة بنحو 1000 ليرة والخيار بأقل من ذلك. ولا تبدو المحاصيل ذات الديمومة بأفضل حال، إذ استقرت أسعار الحمص والفول بين 6 و7 آلاف ليرة للكيلو الواحد، تزامناً مع غياب تسعيرة عادلة للقمح وانعدام القروض المصرفية لتمويل الدورة الزراعية، ما يضع القطاع الزراعي برمته على حافة الانهيار الكامل. تضخم عالمي يهدد شريان الحوالات لا تقتصر مخاطر اقتصاد الحوالات على الداخل السوري، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمتغيرات الاقتصادية العالمية والإقليمية التي تلقي بظلالها الثقيلة على جيوب المغتربين. وفي هذا السياق، يلفت عامر ديب إلى أن المغترب الذي كان قادراً سابقاً على إرسال مبالغ تصل إلى 700 يورو، بات اليوم عاجزاً عن تحويل أكثر من 200 يورو نتيجة الأزمات المتتالية التي تعصف بالاقتصاد الأوروبي، بدءاً من التضخم المرتفع وإغلاق الشركات، مروراً بتداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة، وصولاً إلى توترات مضيق هرمز التي كبحت معدلات النمو الاقتصادي وأدت إلى انكماش ملحوظ في أوروبا. ولا يقتصر هذا الضرر على القارة الأوروبية وحدها، بل يمتد ليشمل دول الخليج العربي وشرق آسيا، إذ تشهد تلك الأسواق تراجعاً في فرص العمل وعمليات التوظيف وارتفاعاً في معدلات البطالة. هذا التراجع المتوقع في تدفقات الحوالات الخارجية سيؤدي حتماً إلى قفزات جديدة في نسب الفقر داخل المجتمع السوري المعتمد استهلاكياً عليها. يؤكد الخبراء لـِ "المدن" أنَّ الدولة لا تستفيد من الاقتصاد الخامد القائم على المساعدات، بل تُبنى خزينة الدول على الإنتاج الحقيقي القائم على الزراعة، الصناعة، التصدير، وتحصيل الضرائب من حركة الاستيراد والمواد الأولية، على عكس الحوالات التي لا ترفد الخزينة العامة إلا بنسب محدودة لا تتجاوز مليار دولار. وفي ظل شح الإنتاج وتضخم السيولة لبعض الفئات، تشهد السوق العقارية ارتفاعات جنونية تزيد من عمق الأزمة المعيشية، وتدفع العائلات الريفية نحو موجات جديدة من الهجرة الداخلية صوب المدن بحثاً عن لقمة العيش. من هنا، يخلص عامر ديب إلى أن "الحل الوحيد يكمن في إقرار خطة تنموية شاملة تستهدف تنمية الريف وتوطين أهله في أراضيهم