من شهر إلى آخر ينتظر أهل زوطر الشرقية الصورة الجوية الأحدث لقريتنا. هم أشبه بمن ينتظرون مولودهم الجديد بعد انقضاء مهلة التسعة أشهر في بطن أمه. لكن في كل "ولادة جديدة"، يجد أهل بلدتي، بعد التمعّن في الصورة الجديدة للقرية، أن ابنهم ولد ميتاً ومقتولاً. في كل مرة يعيشون على أمل، ولو ضئيل، أن يجدوا بيتهم ما زال واقفًا. لكن خيبة الأمل تتجدد. يَرَوْنه مسوّى بالأرض، أشبه بجثة هامدة متفحّمة، ولا من يواسيهم ولو بكلمة واحدة. يبحث ابن زوطر عن صور له قديمة بجانب بيته الجميل، لعلّه التقط صورة في حديقته أو بين أشجارها. يبحث كثيراً عن ذكرى بيت بناه طيلة سنوات شقاء عمره، وبات رمادًا في دقيقة أو لحظة. يحدّق في الصور الجوّية بتمعّن. لا يعرف مكان بيته، أو يشيح نظره عنها لأنه لا يصدّق أو يتصور أنَّ هذا الرماد والركام هو بيته، وأنَّ تلك البقع الرمادية هي حديقته. يمعن النظر كي يرى بيوت جيرانه حتى يؤكد موقع بيته، ولا يصدّق ما تراه عيناه. أهل ضيعتي يبكون دمًا، لا دموعًا كالتي نعرفها. فهذا يقول: "جنى عمري ذهب ولن يعود"، وذاك يكتب: "لا شيء يعوض، والله لا يعوض. أعطاني عمرًا واحدًا، لا عمرين، وأعطاني فرصة، لا فرصتين، وأعطاني القوة مرة، لا اثنتين". وسيّدة تقول: "من أعطاكم الحق ليقال لنا إن هذه هي سنة الحياة، والله يصبركم على الخسارة؟" سيّد يقول: "من أنت لتملي علينا كيف ستهدم بيوتنا، ولم تشاركنا يومًا حين قررنا في بنائها؟ من أعطاك الحق لترسم لنا ما نحبه وما نريد أن نبغضه؟ من أعطاك الحق لتقرر كيف نحرم أولادنا وأبناءنا من الميراث؟ كيف نورث لهم بيوتنا الجميلة وذكرياتنا، أو نورّثهم الركام والحطام واليأس والهجرة الدائمة؟ يتجدد ألم أهل بلدتي زوطر، كسائر أهالي البلدات الجنوبية، عند كل صورة جوّية جديدة، كأنهم في حلم أو كابوس. لم يفكروا ولو ليوم واحد أن مصيرهم سيكون شبيهاً بهذه المصيبة الكبرى التي حلّت بهم. العديد منهم كتبوا وعبّروا، وهذا لسان حال الجميع: "يا ليتنا متنا وقُتلنا، ولم نر ما حلّ بنا، أو رأينا بلدتنا في هذه المشاهد المرعبة والمريبة". منهم من قال ويقول: "يا ليتنا رفعنا منذ البداية الصوت وقلنا لكم لا. لربما كانت في وقتها مجدية قبل فوات الأوان. أما اليوم، فقد أصبحت دموعنا دمًا، وصراخنا يدوي في أرض محروقة خالية من الإنسان. فما جدوى أرض بلا إنسان؟ وما جدوى ضيعة بلا حياة؟ وما معنى للشوارع بلا بيوت؟ وما معنى العلاقات الإنسانية بلا جيران؟ وما معنى أسماء أحياء وحارات بلا بلدة؟ وما معنى كل هذا الرحيل من إنسان وأرض وحجر، ومن حاضر دفن كل ماضٍ حتى ذكرياته ماتت؟ فكيف سيكون المستقبل؟ وهل مستقبل هؤلاء الناس يستعاد من حكايات الماضي ومن سراب الأوهام؟ زوطر تبكي دمًا الآن، وأهلها ليسوا أوراق الخريف يسقطون أرضًا حين يقررّ المارقون. هل سيعود لزوطر، عاشقة الحياة، زهر الرمان وتنتفض، ولو بعد حين، ما بين الركام؟ هل يعود الاخضرار إلى سهلها، ويطفئ نهرها حرائقها وحرها؟ وهل بقي أمل ضئيل، ليس لنا، بل لجيل الشباب الحالي أو الآتين بعدنا، بعودة الحياة إلى بلدتنا، أمل يبعد عنهم وعنها الأحزان، ويصبحون سعداء في حياتهم؟