يوم أمس، في السادس من أيلول 2026، وفي معراب، ألقى الدكتور سمير جعجع كلمة مفصلية، ومن بين ما استرعى انتباهي إضاءتُه على مرور خمسين عامًا على تأسيس القوات اللبنانية (جمع قوى لبنانية). خمسون عامًا كاملا مرّت على ولادتها القيصرية في أيلول 1976. لم تكن الكلمة استحضارًا احتفاليًا لماضٍ منتهٍ، بل محاولة لاستخلاص الدرس الذي أنتج تلك اللحظة التأسيسية، وإسقاطه على واقع لبنان الراهن، بكل ما يحمله من انهيار اقتصادي غير مسبوق، ونزوح مئات الآلاف، ودمار لم يعرف البلد له مثيلا من قبل. القيمة الحقيقية لهذه الذكرى لا تكمن في استعادة معارك الأمس، بل في تفكيك المنطق الذي حكمها. ففي منتصف السبعينيات، كان لبنان المسيحي، الذي حمل ما تيسّر من عتاد للدفاع عن لبنان وبالتالي عن وجوده حين شلل الدولة، موزَّعًا جهدُه على تشكيلات متعددة، لكل منها قيادتها العسكرية المحلية، ومجلسها السياسي، ومصادر تسليحها: الكتائب، التنظيم، الأحرار، حرّاس الأرز، وسواها. هذا التشرذم لم يكن مجرد تفصيل تنظيمي، كان انعكاسًا لانهيار أعمق، هو انهيار الدولة نفسها كمرجعية وحيدة للقرار والسلاح، وتحوّل لبنان تدريجيًا من "دولة" إلى "ساحة" مفتوحة لصراعات الآخرين، بحسب التوصيف الذي يختزل تلك المرحلة. وأمام تهديد وجودي حقيقي، لم تنقذ هذه التشكيلات نفسها ولا الجماعة التي تمثّلها إلا حين قبلت أن توحّد جهدها العسكري في قيادة واحدة، تحت راية واحدة وقرار واحد. وتؤرّخ المصادر لهذا المسار بلحظة ميدانية محددة: حصار تل الزعتر، المخيّم الفلسطيني في الضاحية الشرقية لبيروت الذي كان يؤوي مقرًا عسكريًا مهمًا، لا بل قلعة محصّنة لم تترك نقطة في ما عُرف ببيروت الشرقية من شرّها. بدأ حصاره مطلع سنة 1976، قبل أن يتحوّل، مع انطلاق الهجوم الحاسم في الثاني والعشرين من حزيران، إلى معركة استمرت اثنين وخمسين يومًا انتهت بسقوط المخيم في الثاني عشر من آب 1976. كانت معركة تل الزعتر "أول تجلّ ملموس" لضرورة أن يعمل المقاتلون المسيحيون الموزعون كقوة واحدة تحت قيادة عسكرية موحدة، بعدما كانوا حتى ذلك الحين يخوضون حربًا دفاعية بحتة لمنع إطباق حزام من المواقع الفلسطينية المحصّنة، من الكرنتينا شمالا إلى النبعة وتل الزعتر وجسر الباشا وبرج البراجنة وصبرا جنوبًا، على بيروت الشرقية بكاملها. وقد كان تل الزعتر، بحكم موقعه المرتفع المُشرِف على شرقي بيروت ومرفئها، أهم نقاط هذا الحزام استراتيجيًا. أما أثمان تلك المعركة فكانت باهظة ومزدوجة الوجه. عسكريًا وسياسيًا، شكّلت تجربة القيادة المشتركة خلال الحصار الحجر الأول الذي بُنيت عليه، بعد أشهر قليلة، الهيكلية الموحدة التي أُعلنت رسميًا تحت اسم "القوات اللبنانية" في أيلول من العام نفسه، والتي اكتمل توحيدها تدريجيًا حتى بلغ ذروته عام 1980 على يد بشير الجميّل. لم يكن ذلك المسار مجرد توحيد بنى عسكرية متناثرة، بل تأسيسًا لمركز قرار واحد قادر على التفاوض والصمود وتحديد الأولويات، بعدما تبيّن أن تعدد مراكز القوة هو عين الهشاشة لا عنوان القوة. أما إنسانيًا، فقد خلّف سقوط المخيم أعدادًا من الضحايا قُدّرت بالمئات بين مقاتلين ومدنيين، وتهجيرًا قسريًا لعشرات الآلاف من السكان المحيطين بالمخيم نحو مناطق أخرى، وذلك منذ أوائل السبعينيات. هذا الوجه المأسوي من الحدث لم يُمحَ من الذاكرة اللبنانية ومن ذاكرة أول فوج من المناضلين العسكريين، ولا يزال يُستحضر حتى اليوم في أي نقاش حول تلك الحقبة، بما يجعل استعادة الدرس التنظيمي لتوحيد القيادة مسؤولية أخلاقية بقدر ما هي سياسية: الاعتراف بأن الطريق إلى "الأمر الواحد" مرّ بكلفة إنسانية جسيمة لا يجوز تجاوزها بصمت، تمامًا كما لا يجوز إنكار أن غياب ذلك القرار الموحّد هو ما كان قد أدخل البلاد أصلا في دوامة العنف تلك. هذا هو جوهر ما استعاده جعجع أمس الأوّل حين اعتبر أن التاريخ ليس متحفًا يُزار، بل أمانة ومسؤولية وفعل. فذكرى التأسيس لا تُختزل بتكريم التضحية، بل تتحول إلى مساءلة: هل نجحنا اليوم في استخلاص الدرس نفسه؟ والجواب، كما يفرضه واقع 2026، هو أن لبنان يعيش نسخة معاصرة من التشرذم ذاته، وإن بأشكال مختلفة: دولة مخترَقة بما وصفه جعجع بـ"الدولة العميقة"، حيث تُحوَّل موارد الشرعية إلى إقطاعيات ومافيات ومصالح فئوية، وسلاح لا يزال خارج المؤسسة الشرعية، يقرر وحده الحرب والسلم نيابة عن اللبنانيين جميعًا. من هنا جاء رفضه الصريح لما سمّاه "دويلة تورطنا في حروب الآخرين"، ومطالبته بحلّ الأجنحة العسكرية والأمنية الموجودة خارج الدولة، لا كشعار عابر، بل كشرط مسبق لا بديل عنه لقيام دولة فعلية. فالسيادة، في هذا المنطق، ليست خطابًا إنشائيًا، بل احتكار الدولة وحدها للقرار والسلاح والقرار الأمني على كامل أراضيها، تمامًا كما كان توحيد القيادة عام 1976 احتكارًا للقرار العسكري في مواج