التغذية في قاموس الرجال: عضلات لا مهنة الرجال لم يبتعدوا عن التغذية بل وصلوا إليها من طريق آخر في النادي الرياضي، يعرف الشاب كمية البروتين في صدر دجاج، يحسب سعراته على الهاتف، يميّز بين "التنشيف" وزيادة الكتلة العضلية، ويسأل عن الكرياتين والمكمّلات ونسبة الدهون أكثر مما يسأل عن كثير من تفاصيل صحته. يبدو، ظاهريًا، غارقًا في عالم التغذية. لكن نقل المشهد من قاعة الأوزان إلى مقاعد الجامعة أو عيادة اختصاصي التغذية، فيتغير كل شيء. فالحضور الذكوري الذي يملأ عالم الـFitness يتضاءل إلى حد كبير داخل المهنة نفسها. هنا تكمن المفارقة: لماذا تنجح التغذية في جذب الرجال بوصفها معرفة مرتبطة بالجسد والعضلات والأداء، لكنها تفشل إلى حد بعيد في جذبهم بوصفها اختصاصًا جامعيًا ومهنة صحية؟ الأرقام تشير إلى أن الظاهرة ليست انطباعًا لبنانيًا. ففي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 في "Journal of the Academy of Nutrition and Dietetics" أن 94 في المئة من الممارسين في مجال التغذية نساء. وشملت الدراسة 1065 رجلا من اختصاصيي التغذية، أي نحو ثلث الرجال المسجلين في البلاد. ورغم أن 84.1 في المئة منهم لم يروا في كونهم رجالا داخل المهنة مشكلة أساسية، وصف نحو نصفهم المجال بأنه ذو طابع جندري واضح، فيما تحدثت نسبة مماثلة عن عوائق أو عزلة مرتبطة بالجنس. وفي بريطانيا، كانت 91 في المئة من اختصاصيي التغذية الذين توافرت بيانات الجنس عنهم عام 2023 من النساء، مقابل نحو 7 في المئة من الرجال. أما في أستراليا، فلم يشكل الرجال سوى نحو 7 في المئة من اختصاصيي التغذية المعتمدين. في لبنان، لا تنشر نقابة الاختصاصيين في علم التغذية وتنظيم الوجبات إحصاء وطنيًا مفصّلا بحسب الجنس، لذلك لا يمكن تثبيت نسبة نهائية. لكن الدراسات المتاحة ترسم صورة شديدة الوضوح. ففي دراسة لبنانية نشرتها "PLOS One" عام 2026 حول عبء العمل والرضا الوظيفي لدى اختصاصيي التغذية، بلغ حجم العينة النهائية 138 اختصاصية، جميعهن نساء. كما أظهرت دراسة لبنانية أخرى في العام نفسه، شملت 177 اختصاصيًا في التغذية السريرية، أن 168 منهم نساء، أي 94.9 في المئة، مقابل 9 رجال فقط. هذه العينات لا تشكل تعدادًا وطنيًا، لكنها تؤكد أن الرجل لا يزال أقلية واضحة داخل المهنة. المشكلة لا تكمن في طبيعة الاختصاص. فعلم التغذية الحديث يرتكز إلى الكيمياء الحيوية والفيزيولوجيا والاستقلاب والعلاج الغذائي الطبي، ويمتد إلى السكري وأمراض القلب والكلى والجهاز الهضمي والأورام والصحة العامة والتغذية الرياضية. لكن صورته الشعبية لا تزال، في كثير من الأحيان، عالقة عند الميزان وخسارة الوزن وورقة "الممنوعات". وتلعب الثقافة دورًا أساسيًا. فقد ارتبط الطعام والرعاية وإعداد الوجبات تاريخيًا بالمرأة. ومع تحول التغذية إلى علم صحّي متقدّم، لم تتغير صورتها الاجتماعية بالسرعة نفسها. واللافت أن العناصر نفسها تتبدل جندريًا بمجرد تغير اللغة. فعندما يقال "حمية ورشاقة وخسارة وزن"، يبدو الخطاب موجهًا أساسًا إلى النساء. لكن عندما تتحول المفردات إلى "بروتين وعضلات وأداء وقوة ومكمّلات"، يصبح الجمهور ذكوريًا بامتياز. العلم واحد، لكن طريقة تقديمه مختلفة. "أحب التغذية... لكنني لم أرها مهنة لي" يختصر طوني شاهين، 22 عامًا، هذه المفارقة. فهو يمارس الرياضة بانتظام، ويتابع كل ما يتعلق بالبروتين والسعرات والمكمّلات، لكنه لم يفكر يومًا في دراسة التغذية في الجامعة. يقول لـ"نداء الوطن": "أقرأ عن التغذية أكثر من كثيرين من أصدقائي، وأهتم بما آكله يوميًا، لكن عندما اخترت اختصاصي الجامعي لم يخطر علم التغذية في بالي. صورته عندي كانت مرتبطة بالعيادة وخسارة الوزن، وكنت أراه اختصاصًا تتجه إليه الفتيات أكثر". مرجعه الأول في الأسئلة الغذائية هو المدرب: "أراه كل يوم، ويعرف تدريبي وهدفي، لذلك أسأله تلقائيًا ماذا آكل وماذا آخذ من مكمّلات". لكن نظرته تغيّرت عندما عرف طبيعة الاختصاص فعلا: "لو كنت أعرف منذ المدرسة أنه يتضمّن الاستقلاب والكيمياء الحيوية والرياضة والأمراض، ربما كنت سأنظر إليه بطريقة مختلفة". إذا كانت هذه التجربة تتكرر، فنحن لا نكون أمام شباب يرفضون علم التغذية، بل أمام شباب لا يتعرفون إليه أصلا بوصفه خيارًا مهنيًا. وهنا يدخل عالم الـFitness إلى قلب المشكلة. فالمدرب حاضر يوميًا، يراقب جسم المتدرب وتقدمه، يعرف أهدافه ويتحدث لغته. لذلك تنتقل إليه أسئلة الطعام تلقائيًا. لكن أين تنتهي النصيحة الرياضية وأين تبدأ الممارسة الغذائية المتخصصة؟ دراسة شملت 286 محترفًا في مجال التمارين الرياضية وجدت أن 88 في المئة كانوا يقدمون نصائح غذائية فردية تتجاوز نطاق ممارستهم المهنية، فيما لم يكن 40 في المئة قد تلقوا تدريبًا غذائيًا إضافيًا بعد تأهيلهم الأساسي. وتكشف هذه المعطي