دمشق وتل أبيب... اتفاقٌ في مرمى النار إسرائيل تمسك بزمام اللعبة العسكرية (رويترز) مرت أشهر عدة على بدء رحلة المفاوضات السورية - الإسرائيلية الشاقة، الرامية إلى إبرام اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب يمهّد الأرضية ربّما لتحقيق سلام شامل بينهما، لا يبدو قريب المنال حتى الآن، بحكم أن ظروفه لم تنضج بعد. لا يمكن الحديث عن أن الاتفاق الأمني الموعود بين الجارتين اللدودتين اللتين لطالما تبادلتا العداء سقط تمامًا، لكنّه انتقل حتمًا من مرحلة التفاوض على مسوّدة اتفاق ما، إلى مرحلة اختبار موازين القوة، التي تميل دفّتها بطبيعة الحال إلى الدولة العبرية. فالغارات الإسرائيلية التي لم تعرف السكون على الأراضي السورية، لا تترك مجالًا للشك في أن تل أبيب تمسك بزمام اللعبة العسكرية، نظرًا إلى تفوّقها اللامحدود على المنظومة العسكرية السورية الطرية العود، التي أنهكتها أصلًا الضربات الإسرائيلية، بل قضت عليها فور إعلان السقوط المدوي لنظام الأسد. ترسم الضربات الإسرائيلية المتقطّعة على الأراضي السورية علامات استفهام عدة، وتطرح أسئلة ربّما لا تجد أجوبة لها في المدى المنظور. هل لا يزال بمقدور الدولتين التوصّل إلى اتفاق أمني؟ أيّ اتفاق يكون مقبولًا من كلا الطرفين؟ وهل تركت الضربات الإسرائيلية الأخيرة، خصوصًا على قاعدة أبو الضهور العسكرية الشهر الفائت، سبيلًا لتقدّم التفاهمات الأولية وتحوّلها إلى اتفاق قابل للتطبيق على أرض الواقع؟ في ظلّ التفوّق الإسرائيلي الكبير وغياب الضوابط الأميركية الفعلية اللاجمة لتفلّت رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من عقاله في الجنوب السوري، يبدو أن الاتصالات والوساطات التي يقودها قاطن البيت الأبيض بين الجارتين، تصطدم بجدار التعقيدات. ففي حين تجاهر دمشق بأن باب التفاوض لم يوصَد بعد من جانبها، تردّ تل أبيب في الميدان من خلال مواصلة إغارتها في الداخل السوري من دون حسيب أو رقيب، حيث يصول جيشها ويجول في الجنوب السوري، على وقع مجاهرة وزير دفاعها يسرائيل كاتس بالتمسّك بالوجود العسكري المادي هناك، علاوةً على مطالب عبرية تتخطّى استئناف العمل بالترتيبات الأمنية التي كانت قائمة قبل سقوط نظام الأسد الفار. تبدو المفاوضات العسيرة راهنًا بين الدولة اليهودية وسوريا الجديدة معلّقة، أو في أحسن الأحوال تدور في حلقة مفرغة، من دون أن تُنعى حتى الآن، نظرًا إلى مصلحة البلدين في إبقائها على قيد الحياة. الرئيس السوري أحمد الشرع بأمسّ الحاجة إلى لجم غارات نتنياهو واستكمال رحلة استعادة السيادة في الجنوب السوري، تمهيدًا لبسط سلطة دولته الوليدة على كامل التراب السوري، وكي يكون بالتالي رئيسًا على كلّ سوريا وليس على بعضها فقط. كما يرنو في الوقت عينه إلى إعادة بناء جيش قوي وموحّد ومنضبط. من جانبه، رئيس الحكومة الإسرائيلية يصبو إلى ترتيبات أمنية بعيدة المدى مع الإدارة السورية الجديدة، عوض ترك حدود بلاده سائبة ومشرّعة أمام سيناريوات مجهولة، بعد سقوط النظام البعثي، الذي لطالما شكّل صمّام أمان واطمئنان لإسرائيل وحدودها، رغم ادعاء رموزه زورًا على مدى عقود أنهم يكنّون العداء لها، من دون أن يطلقوا رصاصة واحدة في اتجاهها.