علي الطاهر... "طَهِّر نيعك" أم طهّروا الحقيقة؟ الجمهور قادر في نهاية المطاف على ملاحظة التناقض بين الروايات (رويترز) "طَهِّر نيعك"... عبارة قالها يومًا النائب عن "حزب الله" علي عمّار لنائب معارض لـ"الحزب" الياس عطاالله، تحت قبّة مجلس النواب، عندما كان الأخير يتحدث عن سلاح "حزب الله". بقيت العبارة عالقة في الذاكرة السياسية اللبنانية بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن لغة التخاطب السياسي في تلك المرحلة. أما اليوم، فإن علي الطاهر تطرح سؤالا مختلفًا: ماذا يحدث عندما لا يعود بالإمكان إسكات الواقع؟ ليست القضية في علي الطاهر، في النهاية، مجرّد تلة ترتفع فوق مساحة جغرافية محددة في الجنوب، ولا ينبغي اختزال ما جرى حولها في سؤال تقني عن السيطرة العسكرية عليها. فالمواقع في الحروب قد تتغير أهميتها، وقد يصبح الاحتفاظ بموقع ما غير ذي جدوى عسكرية في مرحلة معينة، وقد يكون الانسحاب قرارًا تكتيكيًا صحيحًا. هذه حقائق يعرفها كل من يقرأ التاريخ العسكري بعيدًا من المبالغات. لكن ما يستحق التوقف عنده هو الطريقة التي تتغير بها الرواية السياسية والإعلامية عندما تتغير الوقائع على الأرض. فالمشكلة ليست في اختلاف طرفين حول أهمية موقع، ولا في إعادة النظر في الحسابات العسكرية. المشكلة تبدأ عندما يصبح الموقع استراتيجيًا طالما هو تحت السيطرة، ثم يفقد فجأة كل أهميته عندما تتغير هذه السيطرة. عندها لا يعود السؤال متعلقًا بالجغرافيا وحدها، بل بقدرة الخطاب السياسي على التعامل مع الواقع من دون إعادة تعريفه في كل مرة. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت علي الطاهر لا تحمل أهمية، فلماذا كانت موضع اهتمام وعمليات ومواجهات ودفاع؟ ولماذا كانت تُدرج في مراحل سابقة ضمن المواقع التي تستحق التمسك بها؟ وهل تتبدل القيمة الاستراتيجية للأرض فقط لأن من يسيطر عليها تبدل؟ ليس المطلوب من أي قوة عسكرية أو سياسية أن تعلن هزيمتها عند كل تراجع. فخسارة موقع لا تعني بالضرورة خسارة المعركة، كما أن الانسحاب قد يكون قرارًا عقلانيًا. لكن هناك فرقًا بين إعادة التموضع كخيار عسكري، واستخدام العبارة لإخفاء أي تراجع، وبين إعادة تقييم موضوعي لأهمية موقع والقول، بعد فقدانه، إنه لم يكن مهمًا أصلاً. هنا ندخل إلى جوهر المسألة: اللغة السياسية وقدرتها على إعادة تشكيل معنى الواقع. هذا ما يرتبط في علم السياسة بالدعاية أو البروباغندا. فهي لا تعني دائمًا اختراع وقائع أو الكذب المباشر، أحد أكثر أشكالها تعقيدًا هو إعادة تأطير الحدث بعد وقوعه، بحيث يتغير معناه من دون أن يتغير الحدث نفسه. فالانسحاب يصبح "مناورة"، وعدم تحقيق الهدف "تعديلا في الأولويات"، وفقدان الموقع دليلا على أنه لم يكن مهمًّا. وهكذا لا يتم إنكار الواقع، بل تغيير اللغة التي يُقرأ من خلالها. ومن هنا تكتسب عبارة "طَهِّر نيعك" معنى يتجاوز المناسبة التي قيلت فيها. ففي السياسة، قد تبدأ السيطرة على الرواية بمحاولة السيطرة على الكلام نفسه: من يحق له أن يتكلم؟ ماذا يجوز أن يقول؟ وماذا يجب أن يُقال عندما لا تعود الوقائع منسجمة مع الرواية السابقة؟ حين تصبح اللغة وسيلة لإسكات النقد، ثم تتحول إلى وسيلة لإعادة تفسير الوقائع، تصبح السيطرة على الرواية محاولة للتحكم بالطريقة التي يفكر الناس فيها بالواقع. وليس هذا جديدًا في التاريخ. ففي المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، لم يكن التحدي في آلة الدعاية وحدها، بل في اتساع المسافة بين الصورة التي كانت القيادة الألمانية تقدمها عن قدرتها على قلب مجرى الحرب وبين الوقائع العسكرية المتراكمة على الأرض. وليس المقصود مقارنة سياسية أو أخلاقية بين الحالات، بل الإشارة إلى آلية عامة: عندما تصبح حماية صورة القوة أهم من تقييم القوة نفسها، تبدأ القيادة في فقدان القدرة على رؤية الواقع كما هو. وتقدم التجربة السوفياتية في أفغانستان درسًا آخر. فلم يكن الانسحاب نتيجة معركة واحدة أو فقدان موقع محدد، بل نتيجة تراكم الوقائع والكلفة العسكرية والسياسية، مقابل استمرار خطاب يصعب عليه الاعتراف بأن الأهداف الأصلية أصبحت أبعد من التحقيق. كانت المشكلة في اتساع الفجوة بين ما يُقال وما يمكن تحقيقه. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح التراجع عن الرواية أصعب، لأن الاعتراف لم يعد يتعلق بقرار واحد، بل بصورة كاملة للقوة بُنيت على مدى سنوات. وهذا هو السؤال الذي يستحق النقاش في الحالة الراهنة لـ"حزب الله". ليس السؤال ما إذا كان "الحزب" سينهار غدًا، ولا ما إذا كانت علي الطاهر وحدها قادرة على تحديد مستقبله. فالتنظيمات لا تختفي بسبب خسارة موقع واحد. السؤال الأكثر علمية هو ما إذا كانت الأحداث الأخيرة وقائع منفصلة يمكن احتواؤها، أم أنها جزء من مسار أوسع من التآكل التدريجي في عناصر القوة. فالقوة لا تتراجع فقط عندما تُهزم في معركة. قد يبدأ التراجع عندما تفقد القدرة على