كما الإبادة والقتل والتهجير والتدمير والخط الأصفر والمناطق الآمنة والعازلة، طرحت إسرائيل فكرة المناطق التجريبية في قطاع غزة أولاً عبر اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي إلى الخط الأصفر ثم الكامل إلى خارج القطاع، وتكريس فكرة المنطقة العازلة بنزع سلاح فصائل المقاومة وانتشار قوة الاستقرار الدولية وانطلاق عمل اللجنة الإدارية وفرض سيطرتها التامة على السلطة. ثم نقلت إسرائيل، كما كتبنا هنا مراراً، نموذج غزة كاملاً إلى جنوب لبنان لجهة الإبادة والقتل والتدمير والتهجير، وتكرار جرائم التدمير الكامل برفح وبيت حانون إلى قرى الحافة الأمامية على عمق 3-4 كم، واستنساخ ممر نتساريم عبر نهر الليطاني كحاجز طبيعي لعزل الجنوب عن باقي البلاد، واستنساخ الخط الأصفر مع التوسع بعمق 10 كم ثم تجاوزه، وربط الانسحاب التدريجي للخط ثم الحدود الدولية، والإصرار على مشروع المنطقة العازلة بفرض الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة بالجنوب، وفق ما يعرف بالمناطق التجريبية "بايلوت زونز". والآن يجري الحديث عن نقل عكسي لفكرة هذه المناطق بمسماها الجديد إلى القطاع، لعدم الانسحاب من الأراضي المحتلة قبل الانتخابات، وإغراق المفاوضات في التفاصيل الصغيرة، وخلق واقع راهن جديد ولكن بتحديث ما، لتوسيع الانقسام والانفصال بين الضفة وغزة إلى داخل غزة وفق خطوط ملونة بمسميات ما أنزل الله بها من سلطان، وإبقاء مشروع التهجير القسري "الترانسفير" على جدول الأعمال. بداية لا بد من الإشارة إلى نقل إسرائيل جرائم حرب غزة، منذ انتهائها عملياً وإعلان جيش الاحتلال عنها كمنطقة قتال ثانوية -آب/أغسطس 2024- إلى لبنان، بما في ذلك الإبادة والقتل والتهجير والتدمير، ثم بدا الأمر أكثر وضوحاً، أو للدقة أكثر إجراماً، مطلع العام الجاري، إثر تطبيق اتفاق وقف النار بغزة والحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران وانخراط حزب الله فيها، مع تداول المصطلحات نفسها من قبيل ممر نتساريم-الليطاني، والخط الأصفر، والمناطق العازلة، بعمق الأراضي اللبنانية، بينما تقتطع ما بين سدس إلى ثلث مساحة القطاع، يجري الحديث لبنانياً عن مساحة تتوغل بعمق 3-4 كم على طول الحدود مع فلسطين المحتلة. في اتفاق وقف إطلاق النار بغزة المستند إلى خطة ترامب -تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي- جرى الحديث الضمني عن منطقة تجريبية، دون استخدام المصطلح نفسه، على نصف القطاع، وربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي إلى الخط الأصفر ثم الكامل خارجه بانتشار قوة الاستقرار الدولية وفرض اللجنة الإدارية سيطرتها الكاملة وفق قاعدة سلطة واحدة قانون واحد سلاح واحد. في الاتفاق جرى تكريس فكرة المنطقة العازلة داخل القطاع بحجة حماية المستوطنات، لكن مع التوافق بعد ضغط الفصائل والوسطاء على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي الكامل، والنقاش لاحقاً حول مساحتها وطبيعة عمل وحركة المزارعين وأهلها هناك، خاصة أنها تضم سلة غذاء القطاع من بيت لاهيا وبيت حانون شمالاً إلى خان يونس ورفح جنوباً. تجربة المناطق التجريبية في لبنان في السياق اللبناني، وعند التوصل بوساطة أميركية إلى الاتفاق الإطاري مع إسرائيل، جرى استخدام مصطلح المناطق التجريبية "بايلوت زونز" حرفياً، ثم المباشرة في تنفيذه بمدن وبلدات محددة "زوطر الغربية"، بينما بادرت إسرائيل إلى ادعاء الفشل في تطبيقه، مع تعمد وضع العراقيل لمنع الانتقال والتعميم إلى مناطق أخرى داخل الخط الأصفر، وبالتالي الاضطرار إلى الانسحاب أو إعادة الانتشار قبل الانتخابات المقررة نهاية تشرين الأول/أكتوبر القادم. الآن، وتحت غبار معركة على الطاهر، قد تنسحب إسرائيل إلى المنطقة الحدودية العازلة المدمرة بعمق 3-4 كم، أي إعادة الانتشار من الخط الأصفر، لكن مع سيطرة نارية وعملياتية كاملة على المساحة الممتدة حتى الليطاني، واتباع الفلسفة نفسها للمناطق التجريبية لجهة نزع السلاح وفرض الحكومة الشرعية قبضتها الكاملة، قبل الموافقة على عودة النازحين إلى البلدات والقرى المدمرة بنسبة كبيرة، والتي تحتاج إلى جهد وزمن كبيرين للتعافي وعودة الحياة الطبيعية إليها. تحت سكرة القوة الغاشمة الممتدة من جنوب فلسطين إلى جنوب لبنان، أعلنت إسرائيل منذ أيام عن رغبتها في نقل اقتراح المناطق التجريبية "بايلوت زونز"، ولكن بشكل عكسي من لبنان إلى غزة، حيث أعطى نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس التعليمات للجيش لإعداد الخطط اللازمة لذلك. في الأسباب، يمكن الحديث دوماً عن البعد الداخلي وإسرائيل كدولة فريدة بالمعنى السلبي، لا تملك سياسة خارجية بل داخلية فقط. كما تجب الإشارة بالبعد نفسه إلى العامل الانتخابي -"الجنون والافتقاد للعقلانية" حسب تعبير جاريد كوشنير الحرفي- ورفض أي انسحاب أو إعادة انتشار حتى داخل الخط الأصفر، الذي بات يبتلع عملياتياً ونارياً