لماذا يفشل لبنان في إدارة اختلافه؟ 8 أيلول 2026 · 12:27 ص 7 دقائق قراءة حجم الخط ليست المشكلة في لبنان أننا مختلفون، المشكلة أننا لم نتعلّم بعد كيف ندير اختلافنا، هذه هي الخلاصة التي تفرض نفسها أمام السجال الذي انفجر أخيراً حول صلاة الطلاب المسلمين في حرم الجامعة اللبنانية الأميركية LAU في بلاط جبيل. فقد تناولت تقارير إعلامية قضية منع نحو 300 طالب مسلم من أداء الصلاة داخل الحرم، فيما طالب إمام مدينة جبيل الشيخ أحمد اللقيس إدارة الجامعة بتأمين مكان مخصص للصلاة محذّراً من استمرار الوضع القائم. ثم انتقلت القضية سريعاً من إطارها الجامعي إلى فضاء السجال السياسي والإعلامي المعتاد ليردّ النائب السابق فارس سعيد معتبراً أن طلب الصلاة «محق» لكنه رأى أن طرح المسألة علناً قد يحوّلها إلى استفزاز داعياً إلى معالجتها مع الجامعة بهدوء. وهنا تحديداً تكمن المشكلة اللبنانية الأعمق، كيف يمكن لمشكلة تنظيمية بسيطة يفترض أن تعالجها إدارة مؤسسة تعليمية أن تتحوّل خلال ساعات إلى قضية طائفية ووطنية ووجودية؟! قبل كل شيء يجب أن نميّز بين أمرين حق الطالب المسلم في ممارسة عبادته وحق الجامعة في تنظيم فضاءاتها وفق أنظمتها. فلا حرية دينية تعني أن كل فرد يستطيع فرض ممارسته على المؤسسة ولا حياد المؤسسة يعني منع الطلاب من ممارسة دينهم. في الإسلام الصلاة ليست تفصيلاً ثقافياً هامشياً إنها عبادة يومية ذات أوقات محددة. ولذلك فإن الطالب المسلم الذي يقضي ساعات طويلة في الجامعة يحتاج بصورة طبيعية إلى مكان مناسب يستطيع فيه أداء صلاته من دون أن يعطّل الدراسة أو يفرض عبادته على غيره. والحل الحضاري لهذه المسألة لا يحتاج إلى معركة طائفية بل إلى قاعدة مؤسسية واضحة في مكان مناسب، ممارسة طوعية، لا إكراه على أحد ولا تعطيل للعمل الأكاديمي وقاعدة واحدة لجميع الأديان وهذه هي النقطة التي يبدو أن لبنان لم يتعلمها بعد. فإذا كان المكان المقترح للصلاة مختبراً فعلاً ويحتاج إلى استعمال أكاديمي فالحل هو تحديد مكان بديل. وإذا لم يكن كذلك فالسؤال يصبح لماذا لا يُسمح للطلاب المسلمين باستخدامه في أوقات محددة؟ وفي الحالتين لا نحتاج إلى منبر سياسي ولا إلى تعبئة طائفية، نحتاج إلى اجتماع بين الطلاب وإدارة الجامعة ووضع آلية عملية. أما إذا ثبت أن الذريعة المستخدمة لمنع الصلاة لم تكن صحيحة فالمسألة تصبح أكثر جدّية لأنها تتحوّل من خلاف تنظيمي إلى مشكلة ثقة ومساواة وعدم تمييز، وهذه تحتاج إلى تحقيق مؤسسي هادئ لا إلى اتهامات جماعية. والأخطر هو ما يحدث بعد ذلك فبدل أن يدخل الملف إلى «المطبخ الداخلي» للجامعة يدخل فوراً إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يبدأ اللبنانيون في البحث عن هوية المتخاصمين، مسلم أم مسيحي؟ سنّي أم ماروني أم شيعي؟ جبيل أم بيروت؟ شيخ أم كاهن أم سياسي؟ جامعة أم طائفة؟ وهكذا تتضخم المسألة. وهنا نصل إلى جوهر علم النفس الاجتماعي، ففي المجتمعات المتنوعة الإنسان عدو ما يجهل. عندما لا يعرف الإنسان الآخر فإنه يميل إلى اختصار صورته في جماعة، وعندما يشعر بأن الجماعة الأخرى تهدّده يصبح أي حدث صغير دليلاً على «مؤامرة» أكبر. وهكذا تتحوّل قاعة صلاة إلى «دليل على اضطهاد المسلمين»، ويتحوّل أي اعتراض ديني إلى «مشروع لتغيير هوية جبيل» وتتحوّل الجامعة إلى طرف في معركة أكبر منها، وهذه هي الدوامة التي يجب على لبنان أن يخرج منها. جبيل نفسها التي عايشتها عن قرب تقدم نموذجاً نقيضاً لهذا المنطق، فهي ليست فضاءً أحادي الهوية بالمعنى التاريخي الذي يحاول بعض الخطاب السياسي تكريسه. وقد شهدت المدينة ومحيطها مبادرات إسلامية - مسيحية مشتركة ومنها وقفة صلاة مسيحية - إسلامية في كاتدرائية مار بطرس بمشاركة شخصيات دينية وسياسية واجتماعية من الطرفين، لذلك فإن استحضار «الخوف من الآخر» لا يحمي جبيل بل يسيء إلى صورتها التاريخية. والأمر نفسه ينطبق على قصة أخرى عايشتها في الشوف تتعلق بشراء جمعية خيرية سنيّة بيروتيّة قطعة أرض على أطراف قريتي لإنشاء دار لرعاية المسنين ليتحوّل فجأة المشروع من خلال أهم المحطات التلفزيونيّة إلى قضية خطيرة ذات طابع طائفي! وانتهى الأمر بتدخّل الزعيم المحلي وطرح بديل على أرض مشاع في البلدة المسلمة. وليكون الحل بشراء هذا الزعيم لقطعة الأرض ثم عدم الإيفاء بوعود إيجاد أرض بديلة ويضيع المشروع التنموي! لكن حتى لو وضعنا التفاصيل جانباً فإن الدرس الاجتماعي واضح، عندما يشتري شخص أو جمعية أرضاً في منطقة ذات تركيبة طائفية مختلفة لا ينبغي أن يكون السؤال الأول من أي طائفة هؤلاء؟ السؤال الأول يجب أن يكون ما طبيعة المشروع؟ من المستفيد منه؟ من المالك؟ ما هي التراخيص؟ هل هناك منفعة عامة؟ هل يخالف القانون؟ هل توجد مخاوف حقيقية أم مجرد مخاوف افتراضية؟ وهل يمكن معالجة هذه المخاوف من خلال ضمانات قانونية وإدارية؟ وهذا هو