مرجعيون، جنوب لبنان 7 سبتمبر 2026 (شينخوا) يجلس باسل عبد الله، 10 سنوات، على شرفة منزل مستأجر في بلدة ضهر الأحمر التابعة لمنطقة راشيا شرق لبنان، حيث لجأت إليه عائلته بعدما غادرت على عجل منزلها في بلدة الخيام بجنوب لبنان، محاولا أن يفهم كيف تبدلت حياته في لحظة. وبصوت خافت، قال باسل لوكالة أنباء ((شينخوا)) "كنا في المنزل عندما سقطت قذيفة على منزلنا، فشعرت بالخوف وكأنني في حالة من اليأس." وتابع "هربنا على عجل تاركين كل شيء خلفنا، حتى حقيبتي المدرسية لم أتمكن من حملها." لم يكن ما عاشه باسل مجرد لحظة خوف عابرة، إذ أن أصوات القصف والانفجارات والرحيل المفاجئ تترك لدى الأطفال آثارا نفسية قد تستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية. وأوضحت رانية عيسى، الأخصائية اللبنانية في علم النفس العيادي، أن الأطفال، ولا سيما الأصغر سنا، قد لا يستطيعون التعبير مباشرة عن الخوف والقلق، فتظهر آثار الصدمة في صورة اضطرابات النوم، والبكاء المتكرر، والتعلق المفرط بالوالدين، والتبول اللاإرادي، أو حتى العودة إلى سلوكيات سابقة مثل مص الإصبع. وأشارت إلى أن التعرض المتكرر للحرب والغارات والانفجارات والأصوات القوية يبقي الجهاز العصبي للطفل في حالة تأهب مستمر، فيما قد تؤدي صدمة جديدة إلى إعادة تنشيط آثار صدمات سابقة. وتابعت "لذلك، يحتاج الأطفال إلى مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم، وشرح ما يحدث لهم بما يتناسب مع أعمارهم، إلى جانب الحفاظ قدر الإمكان على روتين يومي يمنحهم شعورا بالاستقرار." وفي جنوب لبنان، لا يقتصر أثر النزوح على الخوف، بل يمتد إلى فقدان المنزل وتبدل البيئة الاجتماعية والتعليمية. الطفل جواد حميدان، 12 عاما، كان من بين الأطفال الذين غادروا بلدة بني حيان في القطاع الشرقي من المنطقة الحدودية في جنوب لبنان. وفي طريق العائلة إلى مكان أكثر أمنا، سقطت قذيفة بالقرب من السيارة التي كانت تقلهم. وقال جواد "عندما هربنا من القصف، سقطت قذيفة بالقرب من السيارة التي كنا نستقلها وسط طريق النبطية-صيدا، ونجونا بأعجوبة، لنعيش الآن في غرفة صغيرة، بينما كان منزلنا من أجمل المنازل في جنوب لبنان." وأوضحت والدته ردينا لـ((شينخوا)) أن الانتقال المفاجئ وضع الأسرة أمام حياة مختلفة، مشيرة إلى أن أطفالها يعيشون اليوم بين مكان مؤقت وذكريات منزل تركوه خلفهم، في تجربة جعلت النزوح بالنسبة إليهم أكثر من مجرد انتقال من مكان إلى آخر. ولا يتوقف ثمن هذه التجربة عند حدود السكن، إذ يطال أيضا قدرة الأطفال على التعلم والتكيف مع البيئة والمدارس الجديدة. واعتبرت فاطمة نصرالله، الأخصائية اللبنانية في علم النفس التربوي، أن النزوح وفقدان المنزل وعدم استقرار الظروف المحيطة بالطفل قد تنعكس مباشرة على أدائه الدراسي، موضحة أن القلق المزمن يستهلك جزءا كبيرا من الموارد الذهنية التي يحتاجها الطفل للانتباه والفهم واسترجاع المعلومات وتنظيم مهامه. ورأت أن المدرسة يمكن أن تتحول إلى مساحة أمان للطفل من خلال علاقة داعمة مع المعلمين، وتجنب الصراخ والترهيب، وإتاحة وسائل للتعبير مثل الرسم واللعب والحركة، مع إمكانية تخفيف الأعباء الدراسية مؤقتا من دون خفض التوقعات التعليمية بصورة دائمة. بالنسبة إلى الطفل أحمد صقر، 11 عاما، لم يكن النزوح من بلدته ميس الجبل مجرد ابتعاد عن المنزل، بل بداية مرحلة دراسية واجتماعية غامضة. وقال أحمد لـ((شينخوا)) "هربنا من بلدتنا ميس الجبل وكانت بلدة جميلة، ونزحنا إلى مدينة حاصبيا، لكني لا أعرف إلى أي مدرسة أذهب، لأنه لا توجد مدرسة قريبة من منزلنا، ولا أعرف أحدا من الطلاب، ولا أعرف إذا كنت سوف أتأقلم مع دراستي الجديدة." وتكشف هذه التجارب الفردية جانبا من أزمة أوسع نطاقا، إذ أشارت بيانات جمعية "حبات القلوب" (جمعية إنسانية تهدف لحفظ ذاكرة أطفال لبنان) إلى مقتل 760 طفلا في لبنان جراء الهجمات الإسرائيلية بين 8 أكتوبر 2023 و31 يوليو 2026، بمتوسط عمر يبلغ 9 سنوات، بينهم 520 طفلا دون 12 عاما و40 رضيعا تقل أعمارهم عن عام واحد. ووثقت الجمعية سقوط هؤلاء الأطفال في 174 بلدة وقرية موزعة على 19 قضاء، فيما سجل قضاء بعلبك العدد الأعلى بـ189 طفلا، يليه صيدا بـ137، والنبطية بـ88، وصور بـ86، وبعبدا بـ52. وتشير البيانات إلى أن نحو ربع الأطفال الذين وثقت وفاتهم قتلوا بعد نزوح عائلاتهم إلى مناطق اعتقدت أنها أكثر أمنا. وكان سبتمبر 2024، وفق الجمعية، الشهر الأكثر دموية، مع مقتل 206 أطفال، بينهم 96 طفلا في 23 سبتمبر وحده، فيما بلغ عدد الأطفال الذين قتلوا بين 23 سبتمبر و27 نوفمبر 2024 نحو 453 طفلا. وفي الأول من سبتمبر الجاري، شكلت أسر الأطفال الذين قتلوا تجمعا حمل اسم "تجمع أهالي الشهداء الأطفال في لبنان"، بهدف توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة والمطالبة بالمحاسبة، إلى جانب دعم الأسر والأطفال المتضررين