يعي القاصي والداني أنّ كرة القدم اللبنانية تعيش أزمة مزمنة في الإمكانيات والبنى التحتية والاستقرار الفني والمالي، إلا أنّ بلوغ منتخب الشباب تحت الـ 20 سنة نهائيات كأس آسيا للمرة الثالثة في تاريخه لخير دليل على أنّ اللعبة - رغم كلّ ما أصابها - لم تفقد قدرتها على إنتاج اللاعبين. خلال التصفيات القارية، خسر "شباب الأرز" أمام كوريا الجنوبية 2-3، بعد مباراة تقدّم خلالها في النتيجة، ثم انتزع الفوز من قيرغيزستان بالنتيجة عينها في مواجهة وصلت إلى ذروتها في الدقائق الأخيرة، قبل أن يحسم التعادل السلبي بين كوريا الجنوبية وقيرغيزستان تأهل لبنان إلى النهائيات باعتباره أحد أفضل أصحاب المركز الثاني. قدم عناصر منتخب لبنان أداء قوياً في مباراتيه ضد كوريا الجنوبية وقيرغيزستان. (وكالات) قيمة الجيل الحالي لفريق الشباب تكمن في أنّ إنجازه تحقق ضمن بيئة لا تمنح اللاعب اللبناني الشاب الكثير من أسباب الاطمئنان إلى مستقبله؛ فاللعبة الشعبية لا تعاني من ندرة المواهب بالقدر الذي تعاني فيه من هدر المواهب، إذ إنّ اللاعب موجود، وبعض الأكاديميات غير التجارية تخرّج لاعبين مميّزين، وبطولات الفئات العمرية ترفع مستويات المواهب، إنما ما ينقص هو الطريق التي تصل بين هذه العناصر. اللاعب اليافع يمكن أن يظهر في السادسة عشرة من عمره أو السابعة عشرة، ثم يلفت الأنظار مع منتخب الشباب، وربما يقدم مباراة كبيرة أمام منتخب بحجم كوريا الجنوبية، وبعدها يعود إلى ناديه ليجد أنّ مستقبله مرتبط بقرار مدرب، أو بحسابات فريق، أو بأولوية لاعب أجنبي، أو ببساطة بعدم وجود مشروع واضح لتطويره. يمكن تعويض مباراة سيئة، ويمكن تصحيح خطأ فني، ويمكن إعادة بناء منتخب. لكن الفترة التي يقضيها اللاعب بين الثامنة عشرة والحادية والعشرين من دون مباريات كافية وتطوّر مستمر لا يمكن استعادتها. لهذا، فإنّ التأهّل الحالي ينبغي أن يتحوّل إلى مناسبة لإعادة النظر في الطريقة التي يجري التعامل بها مع المواهب الناشئة. الاتحاد اللبناني لكرة القدم يستطيع أن يشكّل المنتخب مع كادر تدريبي على أعلى مستوى، وأن يؤمن له المعسكرات وخوض المباريات الخارجية، لكنه لا يستطيع أن يمنح اللاعب عشرات المباريات مع ناديه، ولا يستطيع أن يقرّر له مكانه في التشكيلة، ولا يستطيع أن يعوّض موسماً كاملاً على مقاعد البدلاء. ومن هنا تأتي أهمية السياسة التي اعتمدها الاتحاد في إلزام الأندية بإشراك اللاعبين الشباب في المسابقات الرسمية، والتي ساهمت في منح هذه الفئة مساحة أكبر للظهور والمنافسة وتأسيس جيل واعد. شروط الاتحاد تلقي بالكرة في ملعب الأندية، التي عليها أن تتوقف عن التعامل مع اللاعب الشاب باعتباره مشروعاً مؤجلاً؛ فبعض لاعبي هذا الجيل يدخلون مسارات تطوير خارج لبنان، من بينهم كريم جعفر، الذي تطوّر في أكاديمية ليغانيس الإسبانية. هذه الحالات لا تزال محدودة، لكنها تكشف أنّ اللاعب اللبناني يستطيع أن يجد مكاناً في بيئات أكثر تنظيماً عندما تتاح له الفرصة. من البديهي أن تفكر الأندية في الاستثمار بمواهبها، إذ إنّ اللاعب الشاب يمكن أن ترتفع قيمته كلما لعب وتطوّر، ويمكن أن يصبح اللاعب واجهة للنادي والمنتخب، ويمكن أن يفتح نجاحه الباب أمام لاعبين آخرين. أسماء كثيرة تزخر بها الملاعب اللبنانية يمكن أن تصبح مشاريع نجوم، كما أنّ الملاعب الأوروبية أو الأميركية الجنوبية أو الأسترالية زاخرة بلاعبين يافعين ذوي أصول لبنانية، ما يعني أنّ اللاعبين متوفرين، إنما ينقص احتضانهم رسمياً أو مدّ يد عون الدولة لإدارة اللعبة عبر تأمين الملاعب أو تسهيل استثمارها عوض أن تبقى مقفلة بلا صيانة على غرار ملاعب بيروت وصيدا البلديين أو مدينة كميل شمعون الرياضية على سبيل المثال لا الحصر؛ فالتأهل إلى كأس آسيا لا يحلّ أزمة كرة القدم اللبنانية، ولن يفعل، إلا أنه يمنح الفرصة لإثبات أنّ الاستثمار في الفئات العمرية ليس ترفاً، وأنّ العمل في ظل الظروف الصعبة يمكن أن يؤدي إلى نتائج مشرّفة، وأنّ الكرة اللبنانية ما زالت تمتلك المادة الخام التي يمكن البناء عليها.