يوم الثلاثاء في 25 الجاري، حلّقت في الأجواء فوق منزلي في جنوب غربي موسكو طائرة نقل عسكرية أميركية. هذه الطائرة التي أقلعت من مدينة ريغا -عاصمة جمهورية لاتفيا- حطت صباحاً في مطار فنوكوفو في موسكو. وحسب وكالة نوفوستي الرسمية، فإن الطائرة كانت قد وصلت قبل يومين من القاعدة الجوية في ولاية ماريلاند قرب واشنطن، حيث تتمركز طائرة Air Force One، الطائرة رقم واحد التي يستخدمها رئيس الولايات المتحدة في تنقلاته. بوينغ C-17 Globemaster III ــ طائرة نقل عسكرية أميركية ثقيلة مخصصة لنقل القوات والمعدات العسكرية والحمولات لمسافات بعيدة وبسرعة. باختصار، إنها طائرة ذات دلالات لافتة، ومزودة بأعلى درجات الحماية العسكرية وقدرات متقدمة على تجنب رصد أجهزة الرادار. حتى المساء، ظلّ الصحافيون في موسكو يجهلون هوية الشخص الذي وصل إلى العاصمة على متن هذه الطائرة العسكرية الغامضة. هل كان ترامب نفسه؟ أم صهره كوشنر؟ أم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي يضطلع بمهام خاصة لحساب دونالد ترامب وكثيرًا ما يزور موسكو؟ من كان على متن الطائرة؟ وما الغرض من الزيارة؟ المتحدث باسم الرئيس، دميتري بيسكوف، اكتفى بإجاباته المعتادة، مؤكدًا أنه لا يعرف شيئًا عن الزيارة. باختصار، كان يتصرف كاستخباراتي حقيقي، ولا عجب في ذلك، فهو ينحدر من صفوف جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية SVR. مع حلول المساء، كُشف النقاب عن هوية الزائر الغامض. فلم يكن سوى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون راتكليف، الذي كان يتنقل في موسكو ضمن موكب دبلوماسي ترافقه سيارات حماية تابعة لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي FSO. كانت الزيارة الأخيرة لمدير الـCIA إلى موسكو في تشرين الثاني/نوفومبر 2021، حين وصل المدير آنذاك ويليام بيرنز، بحسب ما أُفيد، حاملاً رسالة تحذير مفادها أن أجهزة الاستخبارات الأميركية تعرف بخطط بوتين لشنّ غزو عسكري لأوكرانيا، وطالبه بالعدول عن ذلك. أطلقت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حملة تسريبات واسعة حول نية الكرملين بدء الحرب في شباط/فبراير، مع تحديد يومي 16 و17 منه موعدًا محتملًا للغزو. وفي 20 شباط/فبراير، كانت وسائل الإعلام الروسية الرسمية وشبه الرسمية، وكذلك المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، لا تزال تنفي بشدة صحة "تسريبات" الـCIA وتسخر منها بوصفها جزءًا من البروباغندا الأميركية. وفي ليلة 23 - 24 شباط/فبراير (يوم عيد ميلادي) دخلت الدبابات الروسية الأراضي الأوكرانية. أرجأ بوتين الأمر أسبوعًا، كي يمعن في الاستهزاء بالأميركيين، وجعل كل محيطه يتندر على "الأميركيين الحمقى". ثم أقدم على ما كانت الاستخبارات الأميركية قد أعلنت للعالم مسبقًا أنه سيقدم عليه. وبما أن موضوع زيارة رئيس الـCIA لم يكشف عنه رسميًا هذه المرة أيضًا، رغم أن مثل هذه الزيارة لا تحدث إلا مرة كل خمس سنوات، فقد تحركت وسائل الإعلام الأميركية مجددًا لكشف ما وراءها. صحيفة "وول ستريت جورنال" كتبت أن راتكليف وصل إلى موسكو لتحذير بوتين من بدء التعبئة، وإبلاغه بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية على علم بأن التعبئة واسعة النطاق ستترافق أيضًا مع محاولة لتنفيذ استفزاز عسكري في إحدى دول حلف الناتو، بهدف اختبار مدى تماسك الحلف وقدرته على الصمود (دول البلطيق، مثلًا، خصوصًا أن طائرة مدير الـCIA وصلت من لاتفيا، أم أن الأمر مجرد مصادفة؟). وتضيف الصحيفة بالقول إن راتكليف، مثل بيرنز في نهاية عام 2021، حذّر بوتين من الإقدام على هذه الخطوات، ونبّهه من العواقب التي ستترتب عليها. لاحقًا، ظهرت معلومات غير مؤكدة رسميًا تفيد بأن راتكليف التقى مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي SVR سيرغي ناريشكين، ثم أجرى محادثة مع بوتين استمرت، وفقًا لهذه المعلومات، ما لا يزيد على 20 دقيقة. بالتزامن مع ذلك، أبلغ ممثل ترامب، الجنرال كيث كيلوج، زيلينسكي بأن بوتين لم يعد يخطط للاكتفاء بدونباس، وأن خططه العسكرية الجديدة تشمل بسط السيطرة الكاملة على زابوريجيا ومقاطعة أوديسا، بما فيها أسطولها في البحر الأسود. ومثل هذه الخطط واسعة النطاق مستحيلة تمامًا من دون تعبئة جماهيرية في روسيا. وهكذا، فإن التسلسل المنطقي للزيارات والتصريحات متماسك تمامًا. وإذا كان الأمر كذلك بالفعل، فهذا يعني أن الحرب في أوروبا، مع احتمال انخراط حلف الناتو فيها، بدأت للتو، وليست في طريقها إلى النهاية على الإطلاق. وهنا، كالمعتاد: التوقعات بشأن تطورات الأحداث المقبلة تعتمد على النادي الذي تنتمي إليه: نادي المتفائلين أم نادي المتشائمين. فمثلًا، مصرف "سبيربنك" -أكبر مصارف روسيا، حيث تبلغ حصة الدولة 50% زائد سهم واحد له حق التصويت- ينتمي إلى نادي المتفائلين (على عكسي). في تقرير تحليلي نشره المصرف قبل أيام، أو بالأحرى جرى تسريبه إلى شبكة الإنترنت على يد قراصنة