في العام 1973، اندلعت صدامات مسلحة بين المنظمات الفلسطينية والجيش اللبناني. كان أبي مناصراً للكفاح المسلح الفلسطيني، وحسب ما رسب في ذاكرتي، فإنه ذهب حينها إلى مخيم تل الزعتر. وبحكم أن والدتي إبنة الأشرفية، فقد كان منزلنا هناك بمبنى الصليب الأحمر، خلف سينما أمباسي. وعندما عاد والدي إليه من تل الزعتر، نشب عراك بينه وبين مجموعة "كتائبيين" مسلحين بالسكاكين. في الليلة ذاتها هجرنا الأشرفية إلى النبعة. وما بدا حادثة فردية بات بعد عامين تطهيراً طائفياً شاملاً مع اندلاع الحروب اللبنانية وما رافقها من تهجير سكاني متبادل. في العام 1976، وقد مضت سنة على مقتل والدي في المعارك، تهجرنا أمي وأخوتي من النبعة إلى بيروت الغربية. وعلى امتداد نحو 15 عاماً استتب "التطهير" الطائفي على منعزلات شبه صافية، أهلياً وطائفياً، وأصبح اللبنانيون غرباء عن بعضهم البعض. بعد نهاية الحروب الأهلية وغير الأهلية في مطلع التسعينات، راح اللبنانيون يتعارفون مجدداً، وإن ترسخت "الهويات" المتخاصمة. وبدوا كأنهم يمارسون سياحة داخلية للتعرف على جغرافيات كانوا منقطعين عنها. لم يكن ذلك كافياً لاستعادة ذاك الاختلاط الاجتماعي والسكاني، السابق على العام 1975، رغم ازدهار بيئة مدينية وثقافية ونمط عيش يمتد ما بين راس بيروت والمونو والجميزة ومارمخايل ووسط بيروت الجديد. تلك البيئة ستلعب دوراً حاسماً في تأليف عصب حركة 14 آذار 2005، وما تلاها إلى حركة 17 تشرين الأول 2019. في المقابل، شكلت "غزوة" 7 أيار 2008 التي قام بها حزب الله وحلفاؤه لبيروت الغربية صدمة عميقة ستجبر أمثالي على "النزوح" نحو شرق بيروت، إلى الأشرفية وجوارها. في جولتيّ الحرب الحالية 2023- 2026، اختنقت الحياة في بيروت الغربية بالنزوح الكثيف إليها من الضاحية الجنوبية التي تعرضت لموجات من الغارت التدميرية، وساهم تردي الخدمات وضعف الموارد الحيوية كالكهرباء والماء والاكتظاظ السكاني في دفع الكثيرين لتغيير سكنهم والانتقال إلى الأشرفية ومحيطها. أيضاً، الحياة الليلية والمرافق السياحية والخدماتية كانت على امتداد أكثر من عشر سنوات، تزدهر حصراً في الأشرفية ومحيطها. ورغم كارثة انفجار مرفأ بيروت والانهيار الاقتصادي والمصرفي، فإن ورشة إعادة البناء والترميم وإصرار طبقة الأعمال والاستثمار على تجديد المنطقة وإنعاشها، كما لو أن الأمر تحدٍ سياسي بالدرجة الأولى، أضفيا رونقاً جديداً على الأشرفية، التي باتت تستقبل خليطاً من السكان الجدد، وتستقطب أكثر زوار المدينة من الأجانب. كذلك، ليس صدفة أن تتكاثر غاليريات الفن في الأشرفية، وتزدهر فيها صالات السينما والمسرح والمؤسسات الثقافية والمتاحف.. كما لو أنها ترث الحمرا وراس بيروت. أما بيروت الغربية، فهي باتت بنظر الكثيرين امتداداً للضاحية الجنوبية، على معاني الاكتظاظ والفوضى وتهالك الخدمات. المشهد يرسم انقساماً متجدداً بين بيروتين، غربية وشرقية، على صورة الانقسام العميق بين مؤيدي "الممانعة" ومعارضيها. انقسام حول ماهية البلد ودوره ومستقبله، أيكون في "قلب إيران" أم في حضن الغرب. وما بينهما ليس أقل من حرب إسرائيلية تدميرية واحتلالية، لا نهاية لها في المستقبل المنظور. وهكذا، على امتداد أكثر من خمسة عقود، ما بين الخروج من الأشرفية والعودة إليها، بل ما بين انغلاقها منعزلاً وانفتاحها مدينة، عشنا نزوحات في الجغرافيا كما في الأفكار والسياسة، وتحولات في العلاقات وأنماط العيش، وحاولنا باستمرار تأليف ذاكرة مكانية ستظل مستعصية في خضم الانهيار والاضطراب ومجهولية مستقبلنا ومستقبل هذا البلد. وكأن العاصمة الواحدة ستظل حلماً.