لم يعد الحصول على ترخيص لوضع زجاج عازل لأشعة الشمس بالنسبة إلى بعض السائقين مجرّد حاجة، بل تحوّل إلى مظهر دُفعت في سبيله مبالغ وصلت إلى 4500 و5000 دولار أميركي للرخصة الواحدة، قبل أن يكتشف أصحابها أنهم دفعوا آلاف الدولارات لقاء مستندات مزوّرة لا تتمتع بأي قيمة قانونية. ومن إعلان عبر تطبيق "تيك توك"، ورقم أجنبي استُخدم للتواصل عبر "واتساب"، إلى تحويلات مالية بواسطة "ويش موني" وتسليم مستندات وأموال ورخص في الدورة والحازمية ومناطق أخرى، بدأت خيوط الملف تتكشف تباعاً، بعدما تابع النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر التحقيقات وأعطى توجيهاته بالتوسع فيها، لكشف مصدر الرخص والأشخاص الذين كانوا يقبضون الأموال ويؤمّنون المستندات المزوّرة. وبمتابعة من آمر مفرزة بعبدا القضائية العقيد محمد البرجاوي، تحركت التحقيقات والاستقصاءات على أكثر من خط، وربطت بين أصحاب الرخص والوسطاء ومسارات الأموال، وصولاً إلى توقيف مشتبه فيهم وإجراء مواجهات بينهم وظهور أسماء جديدة في ملف يُظهر كيف دفع البعض آلاف الدولارات للحصول على تراخيص لعازل الشمس، ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام مستندات مزوّرة. وبدأت التحقيقات على خلفية الاشتباه بإقدام محمود أ. على تزوير وتأمين رخص عازل لأشعة الشمس، وتوقيف أكرم س.، وتعميم بلاغ بحث وتحرّ بحق حسين خ. وفي 8 آب 2026، تناول التحقيق توقيف محمود أ.، وهو لبناني من مواليد 1997، بجرم التزوير، بعدما ضُبطت صور لتراخيص عازل لأشعة الشمس، وأقرّ خلال الاستماع إلى إفادته بأنها مزوّرة. وشملت الرخص المضبوطة ترخيصاً باسم شربل ز. لسيارة "مرسيدس إي 550"، وآخر باسم زاون ه. موقّعاً بتاريخ 7 كانون الثاني 2025 وصالحاً حتى 31 كانون الأول 2025، ورخصة باسم محمد ز. لسيارة "تويوتا لاند كروزر" سوداء، مؤرخة في 3 آب 2026 وصالحة حتى 31 كانون الأول 2026، إضافة إلى رخصة باسم أحمد غ. لسيارة "مرسيدس" سوداء تحمل التاريخ ومدة الصلاحية نفسيهما. كما أفاد محمود أ. بأنه أقدم على تزوير رخصة عازل لأشعة الشمس لشخص يُدعى إبراهيم أ. وبناءً على توجيهات العقيد البرجاوي، أُطلع القاضي صادر على المعطيات، فأشار بإجراء الاستقصاءات والتحريات عن الأشخاص الواردة أسماؤهم، والعمل على استدعائهم وسحب التراخيص المزوّرة منهم وضبطها، قبل مراجعته على ضوء النتائج. وتمكنت مفرزة بعبدا القضائية من الحصول على أرقام هواتف عدد من أصحاب الرخص واستدعائهم إلى مركزها، مع الطلب إليهم إحضار التراخيص الموجودة بحوزتهم. وخلال الاستماع إلى شربل ز.، وهو لبناني من مواليد 1988 ويعمل في صيانة الأدوات الطبية، أفاد بأنه اشترى في مطلع آذار 2026 سيارة "مرسيدس إي 550" من طراز 2011 وسجّلها باسمه. وأوضح أنه كان في منتصف تموز موجوداً لدى أكرم س.، الذي يعمل في مغسلة سيارات في عكار وتربطه علاقة صداقة بوالده، فأبلغه الأخير بأن شخصاً يعرفه يستطيع تأمين ترخيص لوضع عازل لأشعة الشمس. وطلب أكرم س. منه صورة عن دفتر السيارة وإجازة السوق والهوية والتأمين الإلزامي وإفادة السكن، بهدف تأمين الترخيص من دون مقابل. وبعد أيام، سلّمه شربل ز. المستندات المطلوبة. وفي 28 تموز 2026، أرسل أكرم س. إلى شربل ز. رسالة صوتية عبر "واتساب" أبلغه فيها بأن الترخيص أُنجز، كما أرسل إليه صورة عنه بعد حجب المعلومات المتعلقة بالسيارة، ووعده بتسليمه المستند فور تسلّمه. وبعد نحو أسبوع، رافق أكرم س. شربل ز. إلى بيروت، فنزل في منطقة الدورة، قبل أن يلتقيا مجدداً بعد انتهاء دوام شربل ويسلّمه الترخيص، ثم يعودا إلى عكار. وأكد شربل ز. أنه لم يكن يعلم بأن الرخصة مزوّرة، وأن أكرم س. لم يتقاضَ منه أي مبلغ، كما أنه لم يضع عازل الشمس على سيارته. وسمح للمحققين بالاطلاع على المحادثات المتبادلة بينهما. وأظهر فحص الهاتف تسجيلاً صوتياً أرسله أكرم س. في 28 تموز، مدته 13 ثانية، تحدّث فيه عن إنجاز رخصة شربل قبل رخصة شخص آخر، رابطاً الأمر باسم شربل وانتمائه الديني. وأوضح شربل أن التسجيل جاء بعدما استغرب سرعة إنجاز الرخصة خلال نحو أسبوع، فأبلغه أكرم بأن الشخص الذي يؤمّن الرخص قدّم طلبين وأن طلبه أُنجز أولاً. واستمعت المفرزة كذلك إلى فريد ط.، وهو لبناني يعمل في التجارة، فأفاد بأنه حصل على ترخيص لوضع عازل الشمس باسم والده، باعتبار أن السيارة في عهدته. وأوضح أنه شاهد في 26 تموز 2026، أثناء تصفحه "تيك توك"، إعلاناً لشخص يدّعي قدرته على تأمين رخص زجاج حاجب للرؤية. وبعد مراسلته، طلب منه صاحب الصفحة رقم هاتفه واتصل به عبر "واتساب" من رقم أجنبي، ثم طلب منه تجهيز المستندات وتسليمها قرب محل "سي سويت". وسلّم فريد ط. المستندات لإحدى الموظفات داخل ظرف كُتب عليه، وفق ما يتذكر، اسم خالد ي. وفي 7 آب 2026، قرابة الساعة 4:30 بعد الظهر، حضر شخص عرّف عن نفسه باسم أحمد ع