في 3 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن الاحتلال الإسرائيلي السيطرة العملياتية على مرتفعات "علي الطاهر"، وإسقاط التهديد الذي تزعم إسرائيل أنه كان يأتي منها. غير أن إعلان السيطرة لم يضع حدا للمعركة، بل فتح الباب أمام سيل من الأسئلة المعلقة والغموض الميداني: هل كانت التلة بالفعل تحتضن "مركز أعصاب" حزب الله، كما روج السياسيون والإعلام في إسرائيل؟ ولماذا أصبحت التلة محورا للحرب والصراع في لبنان؟ ما بين التغطيات الإعلامية المكثفة والحسابات الميدانية المعقدة، لم تعد هذه التلة مجرد نقطة جغرافية في شمال الليطاني، بل تحولت إلى مرآة تختصر تعقيدات الحرب، وتكشف صراع الإرادات بين واشنطن وطهران، وتطرح أسئلة أكبر حول وجهة التصعيد المقبلة على الساحة اللبنانية. list 1 of 2أمريكا المعترض الوحيد.. لماذا تغير الأمم المتحدة خريطة العالم؟ list 2 of 2لماذا تبني الصين أكبر حاملة طائرات في تاريخها؟ تنطلق بنية حزب الله في جوهرها من البعد العسكري، الذي ظل حاضرا في تشكيل رؤيته للأرض وانتشاره واختياره لمواضع تمركزه. ولذلك، فإن فهم تحركات الحزب وطريقة تفكيره في الجغرافيا اللبنانية يقتضي البدء من الاعتبارات العسكرية والأمنية، قبل الانتقال إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية الأخرى. لقد حكمت ديمغرافية لبنان بأن تتركز البيئة الحاضنة للحزب في ثلاث مناطق رئيسية: جبل عامل في الجنوب، المحاذي لفلسطين المحتلة، والبقاع الشمالي الممتد بمحاذاة الحدود السورية، والضاحية الجنوبية لبيروت. وبطبيعة الحال، يمتلك الحزب حضورا متفاوتا في مناطق لبنانية أخرى، إلا أن ثقله السكاني والاجتماعي الأساسي يظل متركزا في هذه المناطق الثلاث. ولكل واحدة من المناطق الثلاث حساباتها ونقاط ضعفها من المنظور العسكري. فالمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني ظلت تاريخيا ساحة الاحتكاك المباشر مع إسرائيل، وعُرضة لجولات القتال والانسحاب والتقدُّم، فضلا عن ارتباط وضعها بترتيبات وضغوط سياسية ودولية متعاقبة. ولا يختلف الساحل الجنوبي، الممتد من صيدا إلى الناقورة، كثيرا من حيث درجة الانكشاف، بالنظر إلى طبيعة الأرض الساحلية وما تمتلكه إسرائيل من تفوق بحري. أما البقاع، فرغم عمقه النسبي وابتعاده عن خط المواجهة الجنوبية، فإنه منفصل جغرافيا عن الجنوب والضاحية، كما أن اتصاله بالحدود السورية يجعله مرتبطا بحسابات تتجاوز الداخل اللبناني، ولا يمنحه بالضرورة صفة المنطقة الأكثر أمانا في التصور العسكري، خصوصا مع قابلية البيئة الإقليمية المحيطة بلبنان للتغيُّر. وسط هذه الخريطة، تبرز مرتفعات علي الطاهر والجبال الممتدة خلفها باعتبارها منطقة مختلفة نسبيا. فطبيعتها الجبلية وارتفاعها وموقعها الذي يشرف على مساحات واسعة من الجنوب يمنحها أهمية تتجاوز مساحتها المحدودة. ومع تواتر التسريبات والروايات الأمنية بشأن طبيعة ما يدور في المنطقة، أصبحت تلة علي الطاهر نقطة تتقاطع عندها حسابات الأرض والديمغرافيا والأمن، وهو ما يفسر جانبا كبيرا من الاهتمام الذي تحظى به اليوم. "أصبحت تلة علي الطاهر نقطة تتقاطع عندها حسابات الأرض والديمغرافيا والأمن" علي الطاهر عبارة عن سلسلة من التلال ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، تقع شمال نهر الليطاني وإلى الشرق من مدينة النبطية، وتمتد ضمن مجموعة من المرتفعات تضم علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة، وترتبط جغرافيا بمجال قلعة الشقيف التي تبعد عنها نحو 4-5 كيلومترات. وهي كتلة جبلية ضخمة قياسا إلى الجغرافيا اللبنانية المحدودة، ومرتفعة عما يحيط بها، بما يجعلها تشرف على عمق جبل عامل، فمنها تُكشف مدينة النبطية والنبطية الفوقا وكفرتبنيت، فضلا عن مساحات من أقضية النبطية ومرجعيون وحاصبيا وأجزاء من قضاء صيدا، وهو ما يجعل السيطرة عليها مرتبطة بحماية عدد من أبرز التجمعات السكانية في المنطقة أو كشفها. وتمتد أهمية علي الطاهر إلى موقعها داخل خريطة انتشار حزب الله، فهي تقع شمال نهر الليطاني، وتتوسط نسبيا مناطق ثقل الحزب، كما تشرف على مسارات الوصل بين الجنوب والبقاع، بما يمنحها أهمية في حركة الأفراد والإمداد والاتصال بين المنطقتين. وفي ذات الوقت ، تمثل مقدمة المجال الجبلي الممتد باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان، وهما منطقتان تتمتعان بأهمية جغرافية وعسكرية مهمة، بالنظر إلى عمقهما داخل الأراضي اللبنانية وطبيعتهما الجبلية. وهكذا تجمع علي الطاهر بين ثلاث مزايا رئيسية: الإشراف على حواضر جبل عامل، والتحكُّم في مسارات الوصل بين الجنوب والبقاع، وتشكيل بوابة إلى العمق الجبلي في إقليم التفاح وجبل الريحان. وتزداد أهميتها بوقوعها شمال الليطاني، وطبيعتها الجبلية، وتعدد مسارات الوصول إليها بما يُصعِّب عزلها أو الإطباق عليها بصورة كاملة. يقوم المنطق الإسرائيلي في إدارة العمليات داخل لبنان على عدم اعتبار أي خط ميداني نقطة نهاية دائمة. فبعد أن سيطرت إ